رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز

ترجل من السيارة وصفق بابها، وقبل أن ينصرف كليًا انحنى لينظر حيالها عبر النافذة وهو يردف بـ :
– على فكرة، القضية اللي مسكتي فيها بإيدك واسنانك دي مش هتكسبيها.
ثم لوّح بيدهِ :
– باي.
تعقبتهُ بعيناها حتى اختفى بين الجميع، فـ شرد عقلها بتلك المقابلة القصيرة – والهادئة نوعًا ما -. تُرى ما الذي يختفي من خلفها؟.. تُرى ما الذي يفعله “حمزة” وما الشئ الذي استلزم تواجده هنا والحرص على مقابلتها وكل تلك الحيل المُتخفيّة؟.. حتمًا وراء الأمر لعبة قڈرة من ألعابه التي شهدت عليها طوال سنوات تعقبّها له، وإلا ما كان ليأتي حتى قدميها أبدًا، لا بد وأن الفريسة تلك المرة استحقت سعي الصياد.
*************************************
خرج “راغب” من دورة المياة متعجلًا، بعدما هذّب ذقنهِ وتأكد من وضع مادة مرطبة على بشرتهِ التي تهيجت قليلًا أثر استخدام شفرة الحلاقة الحادة. بحث بعيناه عن سُترتهِ التي وضعها على الفراش منذ قليل، لكنها لم تكن بمكانها، تغضن جبينه وهو يلتفت يمينًا ويسارًا بحثًا عنها :
– بسمھ الله الرحمن الرحيم.. أنا لسه سايبها هنا من شوية!.
دلفت “يسرا” للغرفة وهي تمسك بالسُترة، فـ لمحت علامات الإستفهام الجليّة على تعابيره، لتبادر بالتوضيح قائلة :
– كنت بمسح الزراير بتاعتها.
انبعج فمه بإبتسامة عريضة مبتهجة، وهو يدنو منها بحماسةٍ عاشقة، فتح ذراعيهِ لتتلقفها أحضانهِ، ويداه تمسح على ظهرها بشكلٍ دافئ وجميل، جعلها تغمض عيناها وتسبح في عالمٍ آخر، وكأنها تحلم وهي بين سُحب السماوات السبع. ختم لحظتهم الرومانسية بقُبلة على رأسها، قبل أن تبتعد رأسه قليلًا عنها ليعترف :
– كنت مفتقدك جدًا.
رفعت عيناها إليه و :
– أنا أكتر.
ابتعدت وهي ترفع السترة كي تُلبسه إياها، فـ دفع بذراعيه داخل الأكمام وهو يسألها :
– هتروحي لعمي صلاح أمتى؟.
فاجئتهُ بجوابها الجاهز :
– مش دلوقتي أنا محتاجة أكون معاك شوية، ورجوعي البيت مش هيخليني أعرف أشوفك براحتي.
بدت تعابير الرفض على وجهه، معترضًا على قرارها الذي لم يبدو صائبًا بالنسبة إليه، وعجز عن التشويش على إيماءات الإنزعاج التي تفجرت من وجهه :
– إزاي ده ؟؟.. إذا كنت بقولك عايز طلاقك يتم في أسرع وقت!.. وانتي عايزة تطولي في وجودك على ذمة الحيوان ده!.
أحست بصحة قوله؛ لكنها عاجزة عن التعجيل بمواجهة أهلها وخسارة الوقت الذي ستقضيه معه :
– طب خلينا مع بعض اليومين دول لحد ما أجهز نفسي، أنا مش مستعدة أواجه بابي دلوقتي.
تأففت بتذمرٍ وهي تتذكر موقف والدها الغير مرضي بالنسبة لها :
– إنت عارف كويس إنه مش هيقبل بفكرة الطلاق.
– بس دلـ…….

انقطع صوتهِ مع سماع صوت الجرس، فـ ضمّ سترتهِ على صدره متأهبًا لمغادرة الغرفة و :
– خليكي هنا.
خرج وقد أغلق الغرفة من خلفهِ، ومضى نحو الباب وهو يمسح بأصابعهِ على خصلاتهِ گأنما يصففها، فتح الباب فـ بُهت وجهه، تجمدت أطرافهِ، حتى عيناه كأنها تحجرت وهو ينظر إليه. دلف “حمزة” متعجلًا، گمن أتى في أمرٍ خطير، فـ أسرع “راغب” بالدخول من خلفهِ وهو يسأل بريبةٍ مرتعدة :
– في إيه ياحمزة؟.. مقولتش إنك جاي يعني!.
التفت إليه “حمزة” وهو يردف بـ :
– عايزك في حوار مهم، طالما لابس هدومك خلينا ننزل في أي مكان.
لاحظ “حمزة” ذلك التغير البادي عليه بسهولة، وهو يحفظ رفيق عمرهِ حفظًا عن ظهر قلب، فـ قطب جبينه وهو يسأله مستفهمًا :
– مالك ياراغب؟.
أشاح “راغب” بوجهه لئلا يفضح أمرهِ بيده، بينما صوت نبضات قلبهِ يكاد يسمعها من فرط سرعتها :
– أبدًا بس اتخضيت.. قولي في إيه معاك.
– حوار يطول شرحه.

جلس “حمزة” وهو ينهي كلمتهِ الأخيرة، فـ أحس وكأنه جلس على شئ ما، نهض عن مكانه ونظر ليجد حقيبة نسائية غاية في الجمال، رقيقة وباهظة، فـ تناولها وتفحص شكلها قبل أن تنتقل نظرات الشك خاصتهِ لـ “راغب” ويسأله متوجسًا :
– هو انت عندك حد جوه؟؟؟.

يتبع…

تم نسخ الرابط