رواية أغصان الزيتون
– أتصرف وأخفي العربية دي من هنا، مش عايز أشوفها قدامي.
– حاضر يابيه.
دخل ليصطدم بوالدهِ في ساحة المنزل، فـ سأله بإرتيابٍ مترقب :
– هي اللي وراها؟.
رفع “حمزة” بصرهِ نحو الطابق العلوي، فـ تشنجت عروق نحرهِ، ونفر عرق في جبهتهِ يكاد ينفجر من فرط ضغط الډماء عليه، وسلك طريقه إلى غرفتها لا يدري، ما الذي سيفعله؟.. لا شئ يسير كما يخطط له، وكل خطوة منه ضدها يكون مردودها أسرع مما يتصور، گمن تنتظر له الخطأ حتى تُضاعف من عقابهِ.
فتح بابها ودفعه، دخل ليجدها تقف أمام المرآة وتضع طلاء الشفاه الأحمر الناري، بعدما تأنقت بلباسٍ مزج بين الأسود والأحمر. لم تلتفت للنظر إليه، بل كانت تُدندن بأغنية لكوكب الشرق أم كلثوم، مستمتعة برنة صوتها الأنثوي في الأغنية، حتى سألها بصوتٍ خشن :
– أنتي اللي حرقتي العربية.
مطت شفتيها تختبر شكل طلاء الشفاة عليها، ثم تركته على منضدة الزينة وهي تلتفت إليه بكامل چسـدها ، وأجابت بثباتٍ مغتر :
– آه.
تسارعت نبضاتهِ، وتهيأ له إنه يتخلص منها نهائيًا، شنقًا أو حرقًا أو طعنًا، المهم هو الخلاص من هذه النائبة التي حطت على حياته گالكابوس. ھجم بقبضتهِ على عنقها يخنقها، وهو يدفعها لتلتصق بالحائط فلا تجد مفرًا منه، وزأر من بين أسنانه بـ :
– ولما آخد روحك دلوقتي هيبقى كويس!.. هـموتك، هييجي يوم وأمـوتك بإيـدي.
أطبقت بأظافرها الصناعية على رقبته تخدشهُ فيها، وهي تدفع به بعيدًا عنها حتى نجحت بذلك، سعلت وهي تزجرهُ بشراسةٍ، ثم هتفت بصياحٍ عنيد :
– هتضرب هضرب، هتحرق هحرق.
ودنت منه خطوة وهي تغرز أصابعها في قميصهِ الغارق في الهباب، أثر الحړق الذي تعامل معه منذ دقائق، وأطبقت بأصابعها عليه وهي تتوعده بـ :
– هتدوس عليا هدوس على رقبتك ورقبة اللي منك.
دحرها حتى عادت تلتصق بالجدار، ورمقها بإحتقارٍ مشمئز وهو يردف بـ :
– أنا اللي هقطع رقبتك خالص، هانت أوي يابنت الـ ××××.
نفض بيده على قميصهِ كمن تلوث بدناسة كفها، وخرج غير قادر على تحمل رؤيتها لأكثر من ذلك. أما هي، فـ أشرق وجهها بإبتسامة مُضيئة، گأنها لم تسعد هكذا منذ وقت طويل، وعادت تنظر للمرآة وهي تتابع غناء نفس الأغنية.
***************************************
صفّ السائق السيارة أمام البوابة، حينما كان “مصطفى” على عتبة الباب بمقعدهِ، ينتظر “سُلاف” بنفسهِ بعدما علم إنها آتيه للقاءهِ في هذه الساعة من الليل. فتح “عبيد” بابها، فـ ترجلت من السيارة بتشوقٍ لرؤية عمها، الذي تلألأ وجهه بسعادةٍ مطمئنة بعدما رآها بخير. حرك مقعدهِ للخلف كي يفسح المجال لدخولها، بينما هي أول ما فعلتهُ أن انحنت لتلقي بنفسها في أحضانهِ، فـ سحب “مصطفى” نفس عميق لصدرهِ، تعبأ برائحتها التي أشبهت الفواكه الإستوائية، ومسح على ظهرها بحنو :
– قلقت عليكي أوي ياسُلاف!.
انتصبت في وقفتها، ودفعت بنفسها المقعد للداخل وهي تهتف بـ :
– متقلقش ياعمي، أنا بخير وكل حاجه ماشية زي ماانت عايز.
توقفت به في منتصف الصالة، ثم تسائلت بتلهفٍ :
– أم علي فين؟.. عِبيد وصلها على هنا الصبح مع زين؟.
– جوا ومعاها الولد، المهم إيه أخرك؟.
تركت حقيبتها الصغيرة و :
– هحكيلك بعدين، بس أطمن على إبني الأول.
ودلفت للغرفة بينما كان هو ينشغل بالإتصال بـ “نضال”، حتى يعود إليهم :
– أيوة يانضال، قولتلك ترجع يابني خلاص سُلاف جت.
قطب “مصطفى” جبينه، وعلقت عيناه على الغرفة التي تجلس فيها :
– حرقت عربيته؟.. ليه؟.
– جانب آخر –
لم تشبع من رائحته بعد، فـ ظلت محتفظة به بين أحضانها وبالقرب من أنفها، لتطفئ حنينها اللا منقطع له. أبعدتهُ قليلًا ونظرت حيال “أم علي”، ثم سألتها بإهتمام :
– عامله إيه دلوقتي ياأم علي؟.
تبسمت “أم علي” بتوجسٍ وهي تجيبها :
– نحمد ربنا بقيت بخير.. بس آ….
وكأن “سُلاف” قرأت ما بذهنها، فـ رفعت عنها ذلك الحرج قائلة :
– عارفه ، مش عايزة تروحي هناك تاني.. مش كده ؟.
حنت “أم علي” عيناها عنها و :
– مش هقدر آ….
– وأنا بعفيكي، كفاية أوي اللي حصلك بسببي.
استمعت “سُلاف” لصوت صرير مقعد عمها وهو يتحرك مقتربًا من الغرفة، فـ نهضت واقفة وهي تشدد يديها على الرضيع و :
– سيبيني دلوقتي وأنا هبلغ عمي إن دي رغبتي أنا.. عشان ميضغطش عليكي.
تنفست “أم علي” الصعداء، وكأنها تحررت من قيودٍ ثقيلة، وهمّت كي تخرج لتتركهم قليلًا، بعدما وصل “مصطفى” أمام الغرفة. دلف وهو يتطلع إليها بفضول، گمن يفحصها بنظراتٍ دقيقة قبل أن يسألها، وأثناء ذلك رأى ذلك الحرق على ظهر يدها، والذي تحاوط ببقعة حمراء ملتهبة، فـ فطن على الفور أن ما فعلته ما كان سوى رد قوي على فعلهِ. ابتسم “مصطفى” بعدما أحاد عيناه عنها، فـ تغضن جبين “سُلاف” وهي تسأله :