رواية أغصان الزيتون
ازدردت ريقها گمن تبتلع علقمًا مُرًا، وتابعت بنبرةٍ برز فيها قهرها :
– فشلت، كل ما يلمسني أفتكر لمستك انت، كل ما يقرب مني أشوفك قدامي، حتى صوته كنت بسمع فيه صوتك انت!.. كأني بتعاقب على بعدي عنك.
تنهد “راغب” وهو يعتدل من نومتهِ، سحب سروالهِ الملقى على الأرض، وشرع في ارتدائهِ دون أن ينبث كلمة واحدة، بينما كانت هي متأهبة لسماع نفس ذات الكلام الذي ردده لمرات ، أن يدفعها بيده لرجلٍ آخر كما فعل مسبقًا، أن يرفض تلك العلاڤة التي يخون فيها صديق عمرهِ حتى لا يكون في النهاية خائنًا له؛ لكنه لم يفعل!.
وقف “راغب” بعدما ستر نصف جسدهِ السُفلي، والتفت ينظر نحوها بشغفٍ لم يقل ذرة واحدة، وهو يردف بـ :
– قومي خدي شاور دافي عقبال ما أطلب أكل عشان نتعشى سوا.
زحفت على الفراش حتى وصلت لطرفهِ، محافظة على ستر جسمها العاري بذلك الغطاء المُلون، وتبسّمت في وجهه وهي تقف قبالتهِ قائلة بنبرةٍ مدللة :
– نفسي في جمبري.
برزت أسنانهِ من ضحكةٍ عريضة ملأت وجهه، وخلل أصابع يُسراه بين شعيراتها الفوضوية وهو يهمس بـ :
– حالًا هيكون عندك.
تأمل ملامحها بإسهاب، قبل أن يغتال الإمتعاض تعابيرهِ السعيدة فجأة، ليقول دون مقدمةٍ أو إطالة :
– إنتي لازم تطلقي يا يسرا.
***************************************
سارت من خلف المجند بخطواتٍ متعجلة، متشوقة لمعرفة من زائرها، خاصة وأنها قضت أيام طويلة دون أن يسأل عنها أحد، وحتى محاميها “حمزة القرشي” لم تسمع عنه شيئًا. رفعت طرف جلبابها الأبيض كي تتمكن من السير بحرية، رغم إنها طيلة الوقت تشعر بالإشمئزاز والتقزز من تلك الثياب التي ترتديها، فهي التي اعتادت على الحرير الناعم والملابس الثمينة. حررت زفيرًا مختنقًا من صدرها وهي تنظر من حولها، لقد اشتاقت لمنزلها الراقي وأثاثهِ الفخم العريق، ورائحة العطور الغالية الفوّاحة بدلًا من رائحة العطب والرطوبة، لا سيما تلك الروائح الكريهه المنتشرة في كل مكان، تريد لو تتخلص من هنا وبدون أن تنتظر دقيقة واحدة أخرى؛ لكنها عاجزة عن أي شئ الآن، قبل أن يأتيها “حمزة” بالخبر اليقين، وبإنه نفذ اتفاقهم كما ينبغي. فتح المجند الباب أمامها، فـ دلفت وهي تُمشط المكان بعيناها، حتى رأت ذلك الرجل الذي لا تعرفه أبدًا، فـ نهض الأخير عن مكانه وهو يردف بـ :
– أزيك يا مدام تهاني.
لم تعقب “تهاني” أو تجيب عليه، حتى تتسنى لها الفرصة كي تسأل عن ماهيتهِ ومن أرسل به. خرج الضابط المسؤول من الغرفة ليترك إليهم مساحة من الخصوصية، وأغلق الباب عليهم لتسأله هي على الفور :
– أنت مين؟.
– أنا جاي من طرف شاكر بيه.
تحفزت حواسها على الفور، ومشت نحوه بسرعةٍ كادت توقع بها لولا إنها تماسكت، وسألته بتلهفٍ :
– باعتلي رسالة معاك؟.
تعابيره جامدة لا وضوح فيها، محافظًا على ثباتها وهو يقول :
– لأ، سيادتك هتكلميه بنفسك.
بدأ الرسول في إستخدام هاتفه حتى أتى صوت “شاكر”، فـ ناولها الهاتف لتنتزعه من بين يديهِ على حين غرة، وحادثتهُ بتلهفٍ گمن وجدت قشّةٍ ستنقذها من الغريق :
– ألحقني ياشاكر، محدش غيرك هيقدر يخرجني من هنا.. أنا مش هروح في داهيه لوحدي.
كان صوتهِ غليظًا صارمًا، وهو يلقي عليها أمرهِ النافذ :
– أسمعي كويس ياتهاني، لو شيطانك صورلك إني بتهدد يبقى انتي معرفتيش كويس مين هو شاكر!..
أحست وكأنها تورّط نفسها في كارثة جديدة، مع شخصٍ لن تأخذه بها شفقةٍ ولا رحمة، فما كان منها إلا أن تعزف عن لهجة التھديد تلك، لعلها تنجح في استعطافهِ :
– لألأ، أنت فهمت غلط، أنا بطلب منك تساعدني مش تيجي عليا، أكيد عمري ما أفكر أجيب سيرتك.
– ولما انتي مش هتجيبي سيرتي، كنتي بتسجليلي ليه ياتهاني؟؟.. تذكار ليكي تشوفيه لما أوحشك؟!.
اتسعت عيناها مصډومة من وصول معلومة گتلك إليه، وفجأة تذكّرت أمر “حمزة”، هو الوحيد الذي اطلع على سرّها العظيم الذي أخفتهُ لأعوامٍ، مؤكد إنه من حذّر حماه السابق من لعبتها الدنيئة، ولهذا السبب لم يظهر “حمزة” حتى الآن ولم يزرها. لم تجد من الكلمات ما تردّ به عليه بعدما فضح أمرها، أما هو فلم ينتظر صمتها طويلًا وقطڠ على تفكيرها محاولتهِ لصدّ عدوانهِ عليها :
– الحركة الرخېصة دي هتدفعي تمنها بالغالي ياتهاني، بس الأول هخرجك من اللي وقعتي نفسك فيه بغبائك.. عشان بعدها نتحاسب براحتنا.
مسحت بلسانها على شفتها الجافة المُتشققة، وكأنها لهثت أثر مجهود نفسي شديد الوطأة، ثم هتفت بلهفةٍ تجلّت في صوتها :
– اللي تشوفه ياشاكر، بس خرجني من هنا أبوس إيدك، أنا مش متحملة أبدًا.. وأنا هعمل اللي تقـ……