رواية أغصان الزيتون
– من الصبح هقلب عليها الدنيا.. بس قولي إسمها إيه.
قطب “حمزة” جبينه مدهوشًا من نفسه، حتى إنه لم يعرف إسمها؛ لكنه تذكر أمر وثيقة الزواج، فـ أخرجها من جيبه ونظر لإسمها بشئ من الإشمئزاز :
– إسمها سُلاف.. سُلاف محفوظ السُني.
– أعتبرني لقيتها، من الصبح هجيبلك سجلات كل اللي أسمهم سُلاف.
تحرك “حمزة” نحو سيارته المصفوفة على الجانب الآخر و :
– أنا ماشي، لازم أشوف ميان.
*************************************
كانت بمفردها في تلك الغرفة التي تختلي فيها بنفسها أغلب الوقت، تتفقد مواقع التواصل الإجتماعي، والتي انتشر عليها الخبر بسرعة البرق، وأصبح الحديث عن الأمر مُحتل أحد المراتب الأولى للأخبار الهامة، أي ما يُسمى في عصر التكنولوچيا العصرية (Trend). جلجل صوت ضحكتها، وهي ترى الصور ومقاطع الڤيديو التصويرية متفشية بكل مكان ، اعتدلت في جلستها، تناولت السيچارة المشتعلة لتسحب منها جرعة إلى صدرها، ثم أعادتها مكانها بالمنفضة، و التقطت بعدها كأس الماء بشرائح الليمون ترتشف منه. تنفست بأريحية بعد إتمام أهم خطوة بالأمر كله، كان ظهورها الأول أمامه هو الإنتفاضة الأولى لمسيرتها الطويلة، وها هي تجاوزته، وما بقى يحتاج منها فقط كثير من الحرص و الدهاء. أغلقت هاتفها وهمّت بالخروج من هنا، لترى “مصطفى” أمامها منتويًا زيارتها، وعلى وجهه تعابير السعادة جليّة، فـ تبسمت في وجهه وهي تنحني عليه، ولامست بأصابعها ذقنهِ التي خالطها الشيب :
– مش بشوف الضحكة دي كتير على وشك ياعمي، أنا فرحانة إني فرحتك.
ربت “مصطفى” على يدها داعمًا ومشجعًا لها، متمنيًا لو إنه يتشفّى برؤية هزيمتهم الساحقة بنفسهِ، حتى يُرضي روحه الجائعة للإنتقام :
– فرحان من كل قلبي، وزمان إسماعيل حاسس بينا وشايفنا وفرحان هو كمان.. حق الغايبين خلاص هييجي.
أومأت “سُلاف” برأسها مؤيدة، بينما كان هو يتابع :
– ياما كان نفسي أشوف صلاح بعيني وأشفي غليلي.
ضغط بأصابع يده على ساقهِ – المبتورة – ، ليتذكر عجزهِ المستديم والذي تسبب فيه “صلاح القرشي” :
– كان نفسي أبقى واقف قدامه على رجلي.
وامتلأ صوته بالڠيظ الحاقد وهو يتابع :
– وآخد قلبه من بين ضلوعه بأيدي.
هزت رأسها بتفهم، وهي تُقدّر مشاعرهِ المُتقدة :
– أنا حاسه بيك، متقلقش ياعمي هعملك كل اللي انت عايزه.
ضبط إنفعالاته المضطربة، وتحكم فيها شيئًا فـ شيئًا، ثم سألها بجدية :
– الرجالة اللي بعتهم ليكي كانوا كفاية؟.
انتصبت في وقفتها، وأجابته بثباتٍ :
– كفاية أوي.
– كويس إننا كنا عاملين حسابنا، أنا عارف إنهم و×××× ما هيصدقوا يستفردوا بيكي.. بس أنا عمري ما هسمحلهم بحاجه زي دي أبدًا.
صوت بکاء الرضيع “زين” انتشلها من أوج تركيزها، فـ أشارت نحو الجانب الآخر قبل أن تهمّ بالإنصراف :
– زين صحي، أنا هروح أشوفه.
و انصرفت من أمامه، حينما كان هو يستعيد أمام ناظريهِ مشاهد من الماضي، مشاهد لم ينساها أبدًا، يراها كل يوم، في صحوهِ ونومهِ. تلك الليلة المشؤومة التي خسر فيها خسرانًا مبينًا، والتي أقسم مُنذها إنه لن ينسى، إلى أن يواريـه الثـرى.
***************************************
كل المبررات لم تكفي، كي يصدّ عنه استجواب “أسما” – الصارم – والمُتشدد، بشأن ما حدث الليلة من أمرٍ مُشين. أطبق “حمزة” جفونهِ بـ اختناقٍ وضيق، وطرد ثقلًا من على صدرهِ بزفيرٍ عميق :
– أنا هكذب عليكي ليه ياماما!.. بقولك أول مرة أشوفها في حياتي، ولا هي مراتي ولا ده إبني، أفهمي.. في حد بيلعب عليا لعبة رخېصة جدًا.
لم تقتنع “أسما” بحديثهِ، وشعرت بـ شائبةٍ تطول الأمر :
– والصورة اللي كانت معاها! برضو هتنكرها؟.
نفخ “حمزة” بإنزعاجٍ شديد، ولم يتحمل ضغط لأكثر من ذلك، فـ هو أيضًا عايش يومًا صعبًا وأحداث مرڠبة :
– ماما أرجوكي، أنا مش متحمل أي كلام، لسه جاي من عند ميان ورفضت حتى تشوفني أو تسمع مني ومزاجي زي الزفت.. سيبني أفكر وأشوف هعمل إيه في العك ده.
نزع “حمزة” رابطة الع1نق وألقاها جانبًا، وغمغم بضيقٍ شديد :
– البت دي مسنودة جامد أوي، في حاجات كتير حصلت وأنا غافل عنها.. ده مش موقف عابر ولا طبيعي أبدًا!.. بس مين؟؟ مين وراها!.
**************************************
من المساء للصباح.. كل شئ قادر على التغيير بين ليلةٍ وضُحاها. بضع ساعات كانت قادرة على نشر الأخبار بسرعة مهولة، فـ الفضيحة في مجتمعاتنا لا تحتاج سوى للشرارة الأولى، وبعدها ستندلع النير1ان دون أدنى مجهود. استيقظ الجميع على الكارثة الإجتماعية التي حدثت أمس، بعد أن تداولت الصفحات الإلكترونية والمواقع الإخبارية شائعات حول زواج “حمزة القرشي” السري، وحقيقة طفلهِ الغير شرعي، الذي نسبتهُ إليه المُدعية “سُلاف”، اهتمام الجميع بالأمر كان شيئًا غير طبيعي بالمرة، وكأنها حملة مُمنهجة ومقننة تم شنّها على عائلة “القُرشي”. لم يتذوق “حمزة” طعم النوم، بقى هاجدًا الليل كله، مختليًا بنفسهِ، كأنه يُعيد حسابات السنوات الماضية كلها، كل من