رواية أغصان الزيتون
ما أن عبرت عتبة الغرفة للخروج كانت تصطدم بها، فزعها ورهبتها جعلتها غير مستوعبة ما يجري حولها، حتى أن الظنون لم يكن لها محلًا في رأسها حول المتسبب في ذلك – أو الفاعل الرئيسي له -. تعلقت عيناها المرتعبة عليها، وقد تغطت بشرتها بحبّات العرق، بينما كانت “سُلاف” في حالةٍ من النشوة العارمة، لوصولها إلى تلك الحالة المٹيرة للشفقة، وسألتها ببراءةٍ كاذبة :
– مالك ياحماتي؟ شكلك زي ما تكوني شوفتي حنش!.
فرط الذعر جعلها عاجزة عن التمييز، لم تكن في حالة عقلية تسمح بالتفكير قبل أن تتحدث حتى، وإذ بها تُجيب بعفوية غير مقصودة :
– في تِعبان على سريري، صحيت لـ……
تيقّظ عقلها فجأة، گالتي نفضت عن عقلها الغمامة، وأدركت على الفور إنها دبّرت لكل ذلك من أجل تأديبها؛ لكنها بقيت جامدة لوهله، وتأثير الصد@مة مُغلفًا كامل حواسها :
– إنتي ؟؟؟.. إنتي اللي عملتي كده؟!.
في لمح البصر، كانت “سُلاف” تكشف عن وجهٍ آخر، وكأنها قادرة على تغيير جلدها گالحرباء. تبدل سكون ملامحها، وغطّت تعابير الشر الكامن بأغوارها سطح تعابيرها المشحونة بكثير من الكُره، في هذه اللحظة كانت قد أعلنت الحرب الشرعية عليها، بعدما بدأت هي بسنّ سيوف العداء ضدها، وأعلنتها “سُلاف” صراحةً :
– آه أنا، جيبتلك حد شبهك..
وتحول صوتها لفحيحًا يمثل بالضبط ذلك الكائن السامّ وهي تنطق بـ :
– تِـعبـان.. بس خلي بالك، المرة دي سيبته يدخل أوضة نومك بس، المرة الجاية مش هسيبك غير وانتي ميــ،تة.
قبضت “أسما” على ملابسها، متفشيًا الغضپ في أوصالها التي مازالت مرتعدة، وبصياحٍ هادر كانت تصرخ في وجهها :
– ده أنا اللي هـموتك، مش هتخرجي من البيت ده سليمة أبدًا.
كانت هشّة ضعيفة، وكل أطرافها ترتجف من بشاعة الموقف، والذي لم تَزُل عنها أعراضه بعد، فـ دفعت “سُلاف” بذراعيها بعيدًا عنها، وهي تقابل وعيدها بتهديدٍ آخر :
– أوعي تفتكري إني لوحدي، وإنك ممكن تتخلصي مني بالسهولة دي!.. ده حتى لو نجحتي ساعتها هتلاقي بدل الإيد ١٠٠، كلهم هيتلفّو حوالين رقبتك.
ربتت “سُلاف” على ذراعها وهي تختتم :
– افتكري كويس إنك بدأتي العداوة معايا بنفسك، وأنا مش بسيب حقي على الأرض مهما حصل.. ياحـماتي.
التفتت لتغادر، بينما “أسما” گالصنم المتحجر في مكانها، تتطلع لأثرها في ذهولٍ ممتعض، لم تحرك ساكنًا، إلا بعدما لمحت الثُعبان يخرج من الغرفة، فـ قفزت عن الأرض وتجدد صراخها من جديد :
– ياعــطـا، أنت يازفــت!.
**************************************
ذمّ “نضال” شفتيهِ وهو ينظر نحو “حمزة” بترقب، ينتظر أن يتحدث بأي شئ، أو أن يخبره بتفاصيل اليومين السابقين؛ لكنه كان صامتًا گمن يعيش في صد@مة. خرج “نضال” عن سكوتهِ الطويل، وقطڠ حاجز الصمت هذا قائلًا :
– حمزة!.. هتفضل ساكت كتير!.
ألتفّ “حمزة” بمقعده المتحرك كي يواجهه، ثم أردف بـ :
– أنا بفكر في حاجه كده، محتاج أدرسها في دماغي كويس أوي.. عشان الفترة الجاية مش هينفع تكون عشوائية أبدًا.
قطب “نضال” جبينهِ بإستغراب، وهو يسأله بفضولٍ :
– حاجة إيه دي؟.
دلفت “رضوى” بعدما طرقت على الباب، وضعت الملف على سطح المكتب وقبل أن تتفوه كلمة واحدة كان يستبقها “حمزة” قائلًا :
– القضية بتاعت الست اللي قټلت جوزها دي مرفوضة يارضوى.
تشكلت تعابير الإنزعاج على وجه “رضوى”، وهي تهتف بنبرةٍ معترضة :
– لكن الست دي مظلومة وكانت بتدافـ……
نهض بتشنجٍ عن مقعدهِ، بعدما تجهم وجهه ورفض رفضًا قاطعًا الدفاع عن سيدة أقدمت على قت.ل زوجها :
– ماليش فيه!.. واحدة قټلت جوزها يبقى المحكمة تنظر في أمرها أنا مش قاضي، وعمري ما هتولى قضية بالشكل ده ولا أنا ولا حد من فريقي.. خلصانة.
والتفت موليها ظهرهِ وهو يتمتم بـ :
– الدنيا اتقلب حالها، الستات هما اللي بيمدو إيدهم على الرجالة ويقتلوهم دلوقتي !.
وتحسس أنفهِ التي ما زالت تحمل أثر طفيف من إصابتها، وتابع مزمجرًا :
– ياكش تولع قبل حتى ما يحاكموها، هي واللي في بالي كمان معاها.
التفت ينظر إليها ليجدها قد غادرت منذ ثوانٍ، فـ نظر بإتجاه “نضال” و :
– شايف!!.. رضوى كمان بقت بتتقمص وتمشي وتسيبني وأنا بتكلم!.
نهض “نضال” عن جلستهِ، ودافع عنها گعادته :
– عندها حق، إحنا مش محاميين عشان ننصف الرجالة، إحنا بننصف المظلوم أولًا يا حمزة.
لوح “حمزة” بيده غير مهتم بتلك الأفكار الأخلاقية البحتّة، وغمغم بسخطٍ :
– ياأخي بقى أنا مش فايق للمثالية دي !.
تناول هاتفهِ ومفاتيحهِ، ونظر لساعة اليد وهو يهتف بسخرية :
– أنا راجل متجوز دلوقتي ولازم أروح أطمن على مراتي، ياكش ربنا يحرقها قبل ما أولع أنا فيها.
حدق “نضال” فيه وهو يراه يستعد للإنصراف، وبدون وعي منه سأله بشئ من الإضطراب :
– إنت خلاص اعترفت بجوازك منها؟.