رواية أغصان الزيتون
– سيبلي الحوار ده، أنا هخطط للبت دي خطة هتجيبها هي واللي وراها الأرض.
ضحك “صلاح” مستهزئًا به، وهو يذكره بما حدث خلال يومين :
– آه ما هو واضح!.. هي اللي هتجيبك الأرض طول ماانت معاند وعايز تمشي لوحدك.
تحرك “صلاح” نحوه متابعًا :
– أعترف ليا أنا أبوك، خلاص مبقاش ينفع تنكر.. الواد طلع إبنك فعلًا، اللي مستغربه إزاي تتخدع بالشكل ده!.
تأفف “حمزة” غير قادر على تحمل المزيد، بجانب ضغط الألم على أعصابه :
– بابا أنا مش متحمل، روح خلص الحساب عشان أمشي من المخروبة دي.. بعدين نتكلم.
رمقه “صلاح” بنظرةٍ مستنكرة ، قبل أن يسير في طريقه للخروج، من أجل إنهاء الحساب. تعقبته نظرات “حمزة” حتى خرج نهائيًا، ثم جلس على طرف الفراش وهو يغمغم بـ هسيسٍ خافت :
– مش هي بتقول إنها مراتي واللي معاها ده إبني!!.. يبقى تستحمل بقى اللي هتشوفه مني.
انفعالهِ حرك عضلات أنفهِ بالخطأ، فـ تآوه متألمًا وهو يتحسسها برفقٍ شديد، ثم همس مغتاظًا :
– حتى دي هتدفعي تمنها غالي أوي.
***************************************
انصرف النادل بعدما وضع الطلب الخاص بهم على الطاولة، فـ سدد “عناني” نظراتهِ المستهجنة إليها وهو يهتف بعتابٍ :
– مش مصدق!!.. كل ده وانتي مخبية عني ياسُلاف!.. تطلعي واحدة من ضحاېا الحيوان ده ومتقوليليش؟؟.. ليه يابنتي.. ماانا كنت جيبتلك حقك بالقانون وانتي عارفة مين هو عناني الحكيم.
تناولت “سُلاف” كأس الماء بالليمون خاصتها، ارتشفت قدرًا قليلًا منه، ثم تركته بأيادي مرتعشة، وقد برعت في تجسيد دور المضطهدة المظلومة والمغلوبة على أمرها أمامه. طأطأت رأسها تخبئ نظراتها منه، ثم هتفت بخفوت لائم حالتها الكاذبة التي زيفتها :
– اتحرجت من حضرتك جدًا، كنت هقولك إيه!!.. إبن القرشي ضحك عليا وعشمني بالجواز وبعدها رماني!.
نفخ “عناني” بإنزعاج شديد مما عرفه منها، وحاول قدر ما يمكنه أن يكون يبدو رزينًا هادئًا، رغم الكراهيه التي ملأت أحشائهِ وجوفه :
– منحط، مش مصدق إن في واحد ينتمي لمهنتنا بالإنحطاط ده!.
ثم نظر إليها وقد فهم ما اللغز الذي اختبأ ورائها :
– عشان كده كنتي غامضة، فيكي حاجه مش طبيعية دايمًا! هروبك من مواجهة صلاح وإبنه في أي قضية كان حاجه مشكوك فيها بالنسبالي!.
فركت “سُلاف” كفيها بتوترٍ، ثم رفعت بصرها نحوه تستجديه :
– كل اللي عايزاه من حضرتك حاجه واحدة بس، ساعدني، استلم القضية بنفسك وأنا مستعدة أكمل شغل في المكتب حتى لو من غير مقابل.
انفعل “عناني”، وكأنها تعمدت الضغط على عرقهِ الإنساني وضميره اليقظ :
– إيه الكلام ده ياسُلاف!!.. ده انتي واحدة من فريقي وأنا لا يمكن أسمح لحد إنه يظلمك وياخد حقك، قضية إثبات النسب دي بتاعتي وأنا موكل بيها، وحقك هييجي أنتي وإبنك تالت ومتلت ، متقلقيش أبدًا.
كأن إشراقة ظهرت في وجهها، وهي تمتن له على صنيعهِ الطيب معها :
– شكرًا بجد ياأستاذ عناني، مش هنسى معروفك أبدًا.
أمسكت بحقيبتها وهي تتابع :
– هروح أغسل وشي وأرجع حالًا ، عشان نتكلم في تفاصيل القضية.
أومأ رأسه متفهمًا، بينما أولتهُ هي ظهرها، فـ برزت ابتسامة النصر على محياها، وشعّ من عيناها بريقًا متحفزًا، إحتفالًا بتجاوز أول خطوة نحو الدخول لـ عُقرهم. إثبات نسب طفلها أولًا، ثم تأتي البقية.
يتبع…رواية أغصان الزيتون الحلقة العاشرة
“بعضهم يعيش گالجمر على الموقد، لا الموقد ينطفئ، ولا الجمر يخمد اشتعالهِ.”
____________________________________
صوت بكاؤهِ استرعى انتباه “مصطفى”، وكان قادرًا على اجتذاب اهتمامهِ لكي يذهب بنفسه ويتفقدّهُ. حرك “مصطفى” مقعدهِ المتحرك نحو غرفة “سُلاف”، فـ سمع صوت المُربية تحاول تهدئة الصغير، بينما هو لا يسكن نهائيًا. دخل “مصطفى” وهو يدفع الباب بمقعدهِ :
– في إيه ياأم علي؟؟.. زين بيعيط ليه؟.
بدت الحيرة على ملامحها، بعدما عجزت عن إيجاد حل لتهدئة الرضيع :
– مش عارفه يابيه، زي ماانت شايف على صـ،ـرخة واحدة.
فتح ذراعهِ لها كي تناوله إياه قائلًا :
– أنا عارف، أمه غايبة عنه طول النهار، عشان كده مش طايق حد غيرها.
وضعته بين أحضانهِ، حيث كان يحرك قدميهِ الصغيرتين بعشوائية وهو يبكي، بينما هدهدهُ “مصطفى” برفقٍ ليّن وهو يبتسم في وجهه قائلًا :
– ماما قربت تيجي خلاص.
نظر بإتجاه “أم علي” و :
– هاتي أي حاجه فيها ريحة سُلاف ياأم علي، يمكن لو شم ريحتها يهدا.
بحثت “أم علي” من حولها، ثم نظرت على المشجب لترى وشاح أحمر، فـ تناولتهُ وعادت إليهم، وضعته على صدر الصغير فأمسكت يداه الصغيرة جدًا بطرفهِ، وصوت بكاءهِ قد بدأ يخمد رويدًا رويدًا، فـ برز احمرار عيناه وتوّرد أنفهِ الصغير أثر بكاءهِ الشديد. مسح “مصطفى” على رأسهِ قبل أن يضمهُ إليه قليلًا، فـ تذكر شقيقهِ على الفور، شقيقهِ الذي راح ضحېة الغ،ـدر والخېانة. أطبق “مصطفى” جفنيه بحزن، وزفر تنهيدة محترقة من جوفه وهو يقول :
– روحي انتي ياأم علي.
– حاضر يابيه
انتقلت “أم علي” للخارج، حينها اختلى “مصطفى” بالرضيع الذي أيقظ – دون عمدٍ – ذكريات مرّ عليها زمن طويل، فقد كان هو الأخ الأكبر الذي راعى شقيقهِ وهو رضيع، هو الذي عهد لتربية أخيه “إسماعيل” بعد وفاھ أبيهم، فـ أصبح هو الأب والأخ وهو لم يتجاوز الثالثة عشر من عمرهِ، ثم ماتت أمهم وهو في سن السابعة عشر، فـ لم يكن عليه سوى الإعتناء بالصغير الذي فقد أبويهِ باكرًا، ليبقى يتيمًا منذ الرابعة من عمرهِ، لم يدّخر “مصطفى” وسعهِ، أمّن للصغير مأكله ومشربه وتعليمهِ حتى أصبح رجلًا، وبقى كلاهما في الحياة گوجهين لعُملة واحدة، قلبين لروح واحدة، وكأن “إسماعيل” كان ولدهِ وليس شقيقهِ الأصغر.