رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز

************************************

مدفأة ضخمة قديمة للغاية، تعود لأزمنة قد ولّت ومضت، حتى إنها لم تعد متواجدة إلا بشكلٍ نادر. كان يجلس أمامها على مقعدهِ المتحرك، يُغطي نصفهِ السُفلى بغطاء أسود خفيف. عقله شاردًا بشكل ملفت للإنتباه، حتى إنه لم يشعر بقدومها إلا عندما وقفت أمامه، وحجبت عنه رؤية نيران المدفأة، فرفع بصره نحوها فجأة :

– سُلاف!.. جيتي أمتى؟.

– دلوقتي.. اتعشيت؟.

حرك المقعد خاصته ليتراجع للخلف، ثم أجاب بنفس الجمود المعتاد :

– مستنيكي.. عملتي إيه النهاردة؟.

كانت تعلم إلام يشير سؤاله بالتحديد، فأجابت عليه دون تطويل :

– رفضت القضية نهائيًا، أنا مش هغامر دلوقتي بظهوري قدام صلاح وإبنه.


تفهم “مصطفى” رغبتها، وأكد على صحة خطواتها التي تخطوها نحو ذلك المصير المجهول :

– صح، خليها تمشي زي ما اتفقنا.

استمعت لصوت نهنهه لرضيع يأتي من الداخل، فـ سألت على الفور :

– زين أخد الرضعة بتاعته؟.

فأجاب “مصطفى” وهو يقود مقعده نحو غرفته :

– آه.

أحست بشئ غير طبيعي به، فـ لحقت به ووقفت أمام مقعده، لتسأل بإسترابة :

– مالك ياعمي؟؟ فيك حاجه متغيرة؟.

كأن غليان صدره قد طفح على وجهه، فـ احمرت بشرته فجأة وهو يجيبها بصراحة مطلقة :

– مش قادر أتحمل، صبر السنين اللي فاتت كوم وصبر أيام كوم تاني ياسُلاف، قلبي بيتقطع جوايا كل يوم يابنتي!.

جلست أمامه القرفصاء، ووضعت كفها على كفهِ قائلة بتوعدٍ :

– كله هيمر ياعمي، اللي جاي إنتصار وبـس، عـهد عليا.. بس أصـبر عشان تيجي زي ما رسمتها.

تعالى صوت بکاء الصغير “زين”، فـ أنهى “مصطفى” ذلك الحوار مؤقتًا :

– شوفي إبنك وبعدين نكمل كلام، أنا مستنيكي في أوضتي.

فـ استقامت بوقفتها وأسرعت تدخل لصغيرها، كان يتحرك بعشوائية شديدة بداخل فراشهِ الصغير، وبكاءهِ لم يهدأ قطّ إلا بعد رؤيتها، بدأ يسكن رويدًا رويدًا، فتمكنت “سُلاف” من رؤية عيناه الحمراء ووجنتيه المتوهجة أثر البکاء، حملته لحُضنها، وضمت ذراعيها عليه برفقٍ ليّن وهي تهمس بـ :

– خلاص أهدا، أنا جيت خلاص.

سكن الرضيع بين ذراعيها، فـ مسحت الدموع عن وجهه الصغير وهي تبتسم له بحنانٍ لا يراه منها غيرهِ وحده، وهمست له بوعدٍ صادق :

– هانت يازين، كل حق هيترد لأصحابه، وأنت كمان لك حق هيجيلك.. مامي عمرها ما هتنسى حقك أبدًا، حتى لو كان تمن حـقك ده.. المـوت….

يتبع…

رواية أغصان الزيتون الحلقة الثالثة

“عدو عدوي.. صديقي.”

كانت تتطلع إليهم بعينين امتلأت بالحقد، على الرغم من مجهوداتها المُضنية لإخفاء ما يجول في صدرها، إلا أن شدة الكراهية التي حملتها بداخلها قد طفت على وجهها. أنهت “سُلاف” تنظيف الزجاج المُطل على الحديقة، وهي تراقب بتركيزٍ دقيق “حمزة” وخطيبته بالأسفل، وقد أتيا لمعاينة المكان من أجل حفل الزفاف الذي سيُقام نهاية الأسبوع. انتبهت لصوت كبيرة الخدم وهي تصيح فيها :

– أنتي يابنت؟؟ بكلمك!.

التفتت “سُلاف” إليها بعدما أخفضت بصرها للأرض – بتهذيب مُصطنع – ، ثم هتفت ببراءةٍ مزيفة :

– أيوة يافندم!.

تم نسخ الرابط