رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز


– أمشي معايا.
فـ استوقفته “أسما” غير راضية عن انصرافهم، وهدرت فيه بأعلى صوتها :
– مش هتتحرك من هنا قبل ما تفهمني معناه إيه الكلام ده!.. أنت عايز تعترف بالجربوعة دي!.

ذمّت “سُلاف” على شفتيها بنزق، وأردفت بإستهجان :
– ليه بس ياطنط!.. ده أنا برضو أم حفيدك.
ضغط “حمزة” على رسغها كي تصمت، وهو يُسدد لها نظراتٍ حامية :
– أخــرســي شـويـة!.
تنهدت وهي تُرخي كاهلها، ورفعت الصغير “زين” نحو صدرها قليلًا، بعدما تحررت من أصابعهِ بصعوبة :
– حاضر يابيبي.
تلك الكلمة التي تنعتهُ بها فـ تُسعّر نيران غضبه المتقدة، زجرها بصرامةٍ محدقًا فيها بعد أن قالتها للمرة الثانية، ثم أصرف بصره عنها كي يُسكّن والدته المستشيطة قليلًا :
– خلينا نتكلم لوحدنا بس بعدين ياماما.. ممكن!.
التقت عيناها بعين تلك المجړمة – من وجهة نظرها -، فـ رمقتها بإستحقارٍ وقد شملت نظرتها أسفلها وأعلاها :
– مبقاش في حاجه ينفع تستخبى ياحمزة، أنا لازم أعرف وأفهم كل حاجه دلوقتي حالًا.
تدخل “صلاح” بدوره بعد أن طال صمتهِ، وتسائل بجدية حازمة :
– هو سؤال واحد بس ياحمزة، أنت فعلًا قولت للبت دي كده؟.
لم يستغرق الأمر سوى ثانية واحدة كي يجيب “حمزة” دون تخطيطٍ مُسبق أو تفكير في توابع الأمر :
– آه.
فـ أسرعت “سُلاف” تستغل الموقف لصالحها في الحال :
– سمعتي ياطنط؟.. أهو قال آه.
التفت برأسه نحوها وصـ،ـرخ فيها :
– يـــــوه!!.. ما تسـكُـتـي بـقا!.
انتفض “زين” بين ذراعيها، أحست برجفتهِ قبل أن يصدر صوت أنينهِ المُعلن عن بداية بکاء. حدجتهُ “سُلاف” بنظرةٍ حازمة، وقد تبددت كل تعابير اللين بوجهها في لحظة واحدة، وباتت ملامحها أكثر جړأة وهي تُحذرهُ بنبرةٍ قوية :
– إياك تزعقلي تاني والولد في حُضني.
ذلك التحذير – الشديد اللهجة – دفعهُ أن يلتفت إليها بكامل جسدهِ، ليتبادلا نظرات الإمتعاض الصريحة، كأن كلٍ منهم ينافس الآخر، أيهما أقوى في غضبهِ، أيًا منهم سيهزم الآخر بإندفاعهِ، لم يُطيق “حمزة” صمتًا، وسأل مستهجنًا جرائتها الغير مُبررة :
– أنتي بتقولي إيه!.
فـ اشتد الحزم في صوتها، وهي تُكرر دون ذرة واحدة من التراخي :
– اللي سمعته، مرة تانية متزعقش في مكان زين موجود فيه!.
ثم وزعت نظراتها المستخفة على الجميع قبل أن توجه حديثها للعام :
– أنا مش برمي بلوتي على حد، إبنكم أتأكد وعرف إن زين إبنه وقرر يعترف بيه.. وأنا وافقـت.
انبعجت شفتي “أسما” بسخرية قائلة :
– كمان انتي اللي وافقتي!.

كأن قوتها تتضاعف، كلما احتدمت المواجهة بينها وبينهم، فـ تكتسب قوةٍ أعتى وأقوى :
– آه.. ومعنديش مانع أبدًا إني أخرج من هنا دلوقتي أنا وأبني ونتقابل في المحكمة، بس قبل ما أخرج أسألي إبنك هو عايز إيه الأول.
ختمت حديثها وهي تنظر إليه، ثم سألته :
– ولا إيه رأيك؟.
نظرت “أسما” تجاه زوجها، وقد انفلتت أعصابها وهي تزعق بـ :
– ما تقول حاجه ياصلاح!!.. البت دي مش هتقعد هنا لو آخر يوم في عمري.
تذكر “صلاح” تلميحات “حمزة” السابقة، عن حقيقة نواياه لإستدراجها، فـ تفهم على الفور نظرات إبنه المغزية، وقرر أن يُسهل له الأمر، فـ هو بالكاد يعرف ما هي النتيجة النهائية، لأمرٍ تدخل “حمزة” فيه لـ حلّه. أمسك بمعصم زوجته، وبلطفٍ لا يُناسب الأجواء المتوترة والمشحونة، كان يجذبها معه للخارج :
– تعالي ياأسـما، خلينا نتكلم فوق.
انتشلت “أسما” يدها منه، ورفضت أي فرصة للتفاهم فيما يخص هذا الأمر :
– لأ، لما البت دي تمشي من هنا هي والبلطچية اللي معاها نبقى نتكلم ياصلاح.
– ماما أنتي بتصعبي الموضوع وهو مش متحمل!.
– قولت كلمة واحدة، مش هتقعد هنا يعني مش هتقعد هنا.. خلصت.
طرقات على الباب أسترعت إنتباه الجميع، حيث وقف “عِبيد” على عتبة الباب، مصوّبًا نظرهِ على سيدتهِ، ليسألها في جدية :
– أجيب الشُنط من برا ياهانم ؟.


فـ زجرهُ “حمزة” بنظرةٍ عدائية وهي يزأر بـ :
– مين سمح للحيوان ده يدخل هنا!!.
والتفت نحوها متابعًا :
– انتي فاكرة نفسك جايه بيت أبوكي؟؟.. تدخلي فيه اللي على مزاجك.
لولا ثباتها الذي كافحت للحفاظ عليه، لجعلتهُ يدفع ثمن ذكر أبيها الراحل في التو واللحظة؛ لكنها آثرت الصمت، لئلا تُفسد انتظار سنواتٍ طويلة، وهضمت عبارتهِ – مؤقتًا – ، حتى يسمح الوقت لها لحسابه عليها. تجاهلتهُ، وتجاوزت الجميع وهي تسير نحو الباب مرددة :
– لأ ياعِبيد، خد زين خليه في العربية لحد ما أخرج وراك.
قاطعها “حمزة” وقد عبر المسافة الفاصلة بينهما، وقبل أن تترك طفلها بين يدي “عِبيد” كان يردف بـ :
– محدش هيخرج من هنا غير لما أنا أقول ده.
ضمت “زين” لحُضنها من جديد، محافظة عليه لئلا يُصيبه مكروه وسط عراكهم، وصوت بکاء الصغير گالصافرة المزعجة بالنسبة له لا يُطيق سماعه، ثم سددت إليه نظرةٍ متوعدة :

تم نسخ الرابط