رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز

أنهى المكالمة فجأة، غير قادر على تحمل سماع صوتها أكثر من ذلك، عقب أن تمكنت الكراهيه من صدرهِ تجاهها، وقد قرر منذ الوهله الأولى ماذا سيفعل بها. ترك “شاكر هاتفه جانبًا وخرج من غرفته قاصدًا غرفة “ميان” ليطمئن عليها، فما زالت حبيسة غرفتها لا تغادرها بعد ذلك الحاډث المخيف الذي عايشتهُ. كانت مُدثرة بغطائها، حينما جلس جوارها ومسح على شعرها متسائلًا :
– عامله إيه النهاردة ياحببتي؟.
هزت رأسها بإيمائه خفيفة وهي تجيب :
– أحسن.
– مش هتقوليلي إيه اللي حصل!.
أطبقت جفونها گمن تستعيد في ذاكرتها تفاصيل مما حدث، لم تتذكر سوى تلك الضـ،ـربة التي أصابت رأسها قبيل أن يكتم أحدهم أنفاسها بمنديل مغموس برائحة غريبة خدّرت حتى وجهها، وحينما بدأت تستعيد وعيها شيئًا فـ شيئًا سمعت لصوتٍ يتحدث بالجوار :
“بلغ حمزة القرشي إن الأمانة معانا”
وهنا أدركت “ميان” إنها سقطت في فخّ حبيبها الذي اكتشفت فجأة إنها لم تكن تعرفه جيدًا، وقد يكون يستخدمها للضغط على والدها في أمرٍ ما أيضًا!.
فكر “شاكر” قليلًا في تلك المعلومة التي أفصحت “ميان” عنها لأول مرة، وأحس بعدم منطقيتها!.. كأنها ثغرة غبـ،ـية لن يتركها رجلًا كـ “حمزة” خلفه. نهض “شاكر” من مكانه وهو يتحدث بصوت مسموع :
– ممكن ميكونش هو فعلًا!.. حمزة مش غبي عشان يلعب معايا لعبة زي دي!.. ولو فعلًا هو اللي عملها! طب ليه؟.. ده حتى مطلبش مقابل عشان يرجعك!.
تغضن جبين “ميان” وهي تعتدل في جلستها، وشاركت والدها التفكير في الأمر للوصول إلى الفاعل الأصلي، والذي أراد بفعلتهِ إثارة الوقيعة بين “شاكر” و “حمزة”. فرك “شاكر” أصابع يدهِ الواحدة ببعضها البعض، وصوتهِ الخفيض يُحدث ثناياتهِ الداخلية :
– مين من مصلحته يوقعنا في بعض؟.. وليه أنا بالذات؟.
*************************************
مرت عليها أيام عانت فيها من قسوة شعور فقدان الشغف، في كل شئ وأي شئ، حتى عملها الذي أفنت من أجله رغباتها لم تكن لتُطيقه؛ لكنها كافحت كفاحًا مُضنيًا من أجل أن تعود كما كانت، كما اعتادت، وكما ينبغي أن تكون. سارت “سُلاف” بين الأروقة بعد أن انتهت من لقاء موكلتها الجديدة، وشمّرت عن ساعديها استعدادًا لخوض تلك المعړكة منتوية الفوز الساحق بها، خاصة بعد أن رفض “حمزة” تولّي القضية كون إمرأة قټلت رجلًا حتى وإن كان زبانية، وهذا كان دافعها الأساسي لتولّي تلك القضية والإصرار المستميت عليها. خرجت “سُلاف” من المحكمة ممسكة بسترتها وحقيبتها الجلدية، ومضت بخطوات ثابتة نحو سيارتها المصفوفة نهاية الصف. من مسافة ليست ببعيدة تمكنت من رؤيتهِ، يقف جوار سيارتها منتظرًا إياها تحديدًا، أصابها شئ من

 الجمود حين رأته، واستيقظت مشاعر الغلّ البغيضة في نفسها – التي كانت هادئة -، فـ احتقنت عيناها بنظراتٍ حانقة، عندما سألها هو بجمودٍ، مشيرًا نحو سيارتها :
– مش هتركبي ؟.
فتحت السيارة عبر جهاز التحكم الإلكتروني، فـ استقر “حمزة” بمقعدهِ الأمامي جوار مقعد القيادة، قبل حتى أن تجلس هي بمكانها، ودون أن ينزع نظارة الشمس خاصتهِ. سحبت “سُلاف” شهيقًا لصدرها كتمته، وحررتهُ رويدًا رويدًا وهي تستقر بمكانها، قذفت بالحقيبة للخلف، متغلبة على نزعة الغضپ التي كادت تنفجر من عروقها، وهتفت بصوتٍ هادئ نسبيًا :
– خير ياحبيبي، وحشناك ولا إيه!؟.
تقلصت المساحة ما بين حاجبيه، وهو يعقب على لفظها الجم١عي :
– وحشناك؟؟

علت ابتسامة مستخفة محياها، وهي تُذكّرهُ بأمر ولده – المنسي دائمًا – :
– مش معقول كل شوية أفكرك إن ليك إبن يابيبي!.
تجاوز التحدث حول تلك النقطة، وانتقل للسؤال المباشر :
– اختفيتي فجأة ليه؟.. خوفتي تواجهيني بعد ما كشفتي قدامي نص حقيقتك؟.
كركرت ضاحكة وهي تلتفت برأسها نحوه لتنظر إليه، وكأنه تُخبره إنه فاشلًا عاجزًا عن الوصول لأي شئ يخصّها حتى الآن، وبالفعل ضړبت تلك الحقيقة بوجهه :
– أنا عمري ما أخاف منك ياحمزة، ولو في حاجه اكتشفتها فـ أنا اللي كشفتهالك، غير كده إنت عاجز تعرف حتى أنا مين!.
– حلو.. أنا بشجع اللعبة الحلوة، ولعبتك عجباني الحقيقة.
أشاح بصره عنها بعدما نزع نظارته، وتابع بلهجةٍ مريبة :
– لحد دلوقتي زيرو غلطة، بس الوضع مش هيستمر كتير لصالحك.
وضعت سيجارة بين شفتيها، بعدها سمع صوت القداحة وهي تشعلها، فـ اضطر أن يعيد النظر نحوها مرة أخرى ليراها بالفعل بدأت في التدخeن، كأنها لا تراه حتى، وقبيل أن تضعها من جديد بين شفاهها كانت يداه تختطفها منه ويلقي بها من النافذة على مرأى من عيناها، وهي مازالت محافظة على هذا الفتور المتعمّد ونظراتها المستفزة ترنو إليه، لمحت ذلك السؤال السخيف الذي رددهُ على مسامعها مرارًا وتكرارًا، يتأرجح في عينيهِ ما بين رغبته المُلحة في سؤاله وبين تماسكه وثباتهِ لئلا يسأله، فـ افتر ثغرها ببسمةِ عابثةٍ وهي تقول :
– قول اللي عايز تقوله.
– مفيش منه فايدة، كده كده مش هتجاوبي عليا.. يبقى نخلينا في المفيد وتسمعي العرض التاني من الآخر.
أسندت يدها على المقوّد وهي تصرف أنظارها الصائدة عنه، وهمهمت بـ :
– اممم.
فـ دفع بعرضهِ إليها دون حشوٍ أو إطالة في الحديث :
– هطلقك وتاخدي كل حقوقك وحقوق إبنك وتمشي، وطول ما الولد عايش معاكي مصاريفه عليا.
كانت على ثقة تامة، من تيقنهِ إنها لن ترتضي بذلك، ورغم هذا عرض عليها عرضهِ المتواضع؛ إذًا فالأمر يختبئ من خلفهِ شيئًا آخر لم تتبينهُ بعد. لم تطل “سُلاف” في صمتها، وسألته :
– إنت عارف إني مش هقبل بـ ده، مش كده ؟.
تأهب لكي يغادر سيارتها وهو يُسمعها نهاية حديثهِ :
– يبقى ترجعي البيت طالما عايزة تفضلي على ذمت

تم نسخ الرابط