رواية أغصان الزيتون
لم يحلّها، فـ لم تجد سوى الحل الأقرب، خاصة وأن وجهه كان قريبًا منها للغاية، فـ بطحت أنفهِ بناصيتها أولًا – بطحة ليست قوية – لكنها مفاجئة، تحرر ضغط يداه عن عنقها قليلًا، فـ أمسكت برأسهِ تجتذبها بعڼف وعضّت أنفه عضّة شرسة، وكأنها تقضم قضمة لحم. فصـ،ـرخ متألمًا وهو يحررها نهائيًا – رغمًا عنه -، ووضع كلتا يديهِ على وجهه بعدما أحس بألمٍ عظيم في أنفهِ، حينها كانت هي قد تخلصت من وجود السائق الذي حاول إنقاذها، وترجلت عن السيارة وهي تسعل بصعوبة، بعدما مرت بلحظاتٍ كادت تفقد حياتها فيها، وحينئذٍ كانت تترك له وعيدها الأخير :
– هرفع عليك قضية إثبات نسب وهفضحك ياحمزة، بس أصبر عليا.
تجمع البعض حول سيارة “صلاح” بعد أن نشبت تلك المشاجرة – القصيرة -، فـ صـ،ـرخ “صلاح” في الجميع وهو يصرفهم عنه :
– كـفاية كـدا!.. أنا ممكن أبلغ فيكم كلكم دلوقتي.
أغلق “صلاح” الباب الخلفي واستقر بالأمام وهو يهتف بصياح :
– أطلع على المستشفى.
*************************************
دعس “سلامة” سيجارته في المنفضة، وقطب جبينه يفكر مليًا، بعد المطلب الغريب الذي طلبه منه “راغب”. حمحم قبل أن يمد يده نحو كأس المياه، ثم سأله :
– إيه العلاڤة، ما تفهمني عشان أفيدك.
حك “راغب” صدغهِ وهو يرمقهُ بنظراتٍ ذات مغزى، ثم صارحه :
– أنا هجيلك دوغري (بصراحة) ياسلامة.. أنت أكيد سامع عن اللي بيحصل لحمزة اليومين دول.
لم ينكر “سلامة” علمه بما شاع عن الأخير من أخبار على ما يبدو إنها صادقة :
– آه سمعت.
– البت دي قالت إن انت اللي هتجيب من الآخر، عشان كده عايز تسجيلات الكاميرا بتاعت الديسكو لليوم ده.
مط “سلامة” شفتيه گالعاجز، وصارحه بصعوبة القيام بشئ گهذا :
– أنت بتكلم في سنة فاتت ياراغب!.. أكيد مش هلاقي تسجيل زي ده.
أخرج “راغب” ظرف أبيض مغلق، وضعه أمامه على الطاولة وهو يغريه قائلًا :
– لو انت عايز تلاقيه هتلاقيه ياسلامة، وبعدين كل حاجه وليها تمن.
خطف “سلامة” نظرة من داخل الظرف، فـ برقت عيناه بلمعانٍ طامع :
– طب سيبني أشوفلك صرفة كده.
ربت “راغب” على كتفه، ثم غمز له موحيًا بكثير من الرزق الذي ينتظره :
– حمزة لما بيتبسط من حد بيبسطه ياسلامة، أنت عارف ده كويس.. الظرف ده عشان بس نفسك تتفتح.
فـ أشار “سلامة” على عيناه و :
– من عيوني، الباشا يؤمر بس.
**************************************
صـ،ـرخ “حمزة” في وجهها، ودفع يدها عن وجهه بشكلٍ مُهين وهو يصيح فيها :
– أنتي غـــبيـة!!.. قولتلك وجعاني جدًا.
ابتعدت الطبيبة عنه نهائيًا، ونزعت قفازات يداها الطبية وهي تقول :
– حضرتك متعصب من ساعة ما جيت وأنا مش عارفه أتعامل معاك، الدكتور هييجي لحضرتك دلوقتي.
فأشاح بذراعهِ كي تنصرف من أمامه :
– ياريت!.
ضغط “صلاح” على كتفه حتى عاد يسترخي على سرير المشفى بقسم الطوارئ، ثم أردف بـ :
– أهدى ياحمزة مش كده!.. البنت بتطهر الجـ،ـرح لسه.
لحظات وكان الطبيب بينهما وهو يسأل :
– خير ياحضرات.
كان وجه “حمزة” إجابة صريحة على سؤاله، تغضن جبين الطبيب مذهولًا، واقترب منه أكثر، ثم انحنى عليه وسأل :
– مين عضك كده؟.
فـ أثار بذلك اڼفعال “حمزة” الناشب بالفعل، ليهدر فيه هو أيضًا :
– هو تحقيق ولا إيه!!.. ما تشوف شغلك وانت ساكت.
اكفهر وجه الطبيب، وبدت تعابير الغضپ جليّة على وجهه وهو يرد بأسلوبٍ حازم :
– سؤالي كان في صميم شغلي ياأستاذ، لازم توضحلي عشان لو اللي عضك حيوان لازم تاخد المصل المناسب!.
فـ تدخل “صلاح” كي تهدأ الأجواء المتوترة من حولهم :
– لأ مش حيوان، هي حيوانة، أقصد واحدة يعني.. ياريت تشوف مناخيره بسرعة عشان نمشي يادكتور.
انحنى الطبيب عليه، حينما أطبق “حمزة” جفنيهِ بقوةٍ وكأنه يعتصرهم، شاعرًا بمزيج من المشاعر السلبية والسيئة. ضغط الطبيب ضغطة خفيفة على أنفهِ، فـ كتم “حمزة” صـ،ـرخة كادت تخرج من جوفهِ، بينما عقب الطبيب بإندهاشٍ شديد :
– واحدة إزاي!!.. دي أسنانها اخترقت الجلد ودخلت في اللحم!.
فحص الأنف فحصًا سريعًا ثم تابع :
– بس مفيش كسر الحمد لله، ولا تمزق في الأوعية.!.. مجرد جـ،ـرح هيتطهر ونستخدم دهان للجروح ودهان مضاد للإلتهاب.
سكب الطبيب المحلول الملحي أولًا على قطڠة من القطن النظيف، ثم هتف بـ :
– أولًا لازم تهدى، المكان ده من الوش حساس، عشان كده حاسس بالوجع.
وبدأ يقوم بمهامهِ من تنظيف وتطهير للجـ،ـرح بشكلٍ دقيق، قبل أن يغلف الأنف بالدهان المناسب، ثم وضع طبقة رقيقة من الشاش الأبيض قبل اللاصق الطبي :
– هنضطر نفضل مستخدمين الشاش واللصق يومين لحد ما الجلد يلتئم عشان نمنع وصول الميكروبات والأتربة لمكان الإصابة، بعدها تقدر تستخدم الدهان بدون ما تغطي مناخيرك.
نهض، نزع قفازاته، ثم أردف بـ :
– هكتبلك الكريم اللي هتستخدمه، هما نوعين ، أما تنضيف الجـ،ـرح ده مسؤوليتك.. ألف سلامة.
استقام “حمزة” من نومته، فـ أصابه دوّار مفاجئ حاول ألا يُبديهِ، أطبق جفونه محاولًا استعادة كامل وعيهِ، بينما كان أبيه يسأل :
– هتعمل إيه ياحمزة ؟؟.. أنا مش عايزك تتصرف من دماغك، خليني أساعدك.
وقف “حمزة” مستقيمًا، التفت لوالده :