رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز


– كأنه فصّ ملح وداب.. حتى راغب خد العربية واتحرك بسرعة من مكانه بعدها بشوية ومعرفش راح فين.. ومقدرش أتصل بحد فيهم وألفت النظر عليا.

ضړبت “سُلاف” الأرض بقدمها، وصرّت على أسنانها بغيظٍ وهي تهتف بـ :
– في حاجه فلتت مننا!.. بس إيه هي؟.. كان زماني بزور حمزة دلوقتي في القسم!.
نظر “نضال” لساعة يدهِ، فوجدها تجاوزت الحادية عشر مساءًا. شرد عقله لوهله، ثم خرج عن صمته فجأة وهو يقول :
– أنتي لازم تروحي دلوقتي.
تغضن جبينها بإستغراب، من تحولّ حالته فجأة وبدون سابق مقدمات :
– في إيه؟ أنت افتكرت حاجه؟.
– مش متأكد، بس إختفاء حمزة وراه حاجه، مش بعيد يكون كشفك وكل ده بيلعب علينا.
مجرد تلك الفكرة جعل الشك يتمكّن من عقلها، فـ لم تنتظر ثانية أخرى، وسرعان ما أوفضت بـ إتجاة السيارة حيث فتح لها “عِبيد” الباب لتستقر بالداخل، گمن يستعد لإعلان حالة الطوارئ، فـ تخمين “نضال” أوقظ حواس الحرص الشديدة لديها، وجعلها تحس ببعض التقصير في إعدادات الأمان التي حافظت عليها طوال سنواتٍ طويلة، وتوجب عليها الحرص من جديد.
*************************************
وطأت قدميها تلك الغرفة التي تسكنها، فـ خمد ذلك القلق الذي عشش ببواطنها قليلًا، وسحبت زفيرًا مرتاحًا لصدرها كتمتهُ لحظات قبل أن تُحررهُ رويدًا رويدًا، ثم فتحت الإضاءة وخطت نحو الخزانة الصغيرة من أجل تبديل ثيابها. لم تنتبه أبدًا، لم ترى حتى ظلهِ، بينما هو جالسًا بزاوية بعيدة تمامًا عن محطّ أنظارها، يتطلع إليها بعيون صقر يراقب فريستهِ قبل أن يهجم عليها، تابع حالة الإرتباك التي كانت جليّة عليها وعلى حركاتها العشوائية، متيقنًا من إنها هي المتسببة الرئيسية فيما يحدث من حوله الآن، وأن مداهمتهِ الليلة من قِبل الشرطة لم تكن صدفة أبدًا. تركت ثيابها جانبًا ووقفت أمام المرآة لتمسح زينة وجهها، لكنها استشعرت حركة من حولها، ودبّ الذعر أوصالها وهي تستسلم لفضولها وتلتفت حين غرة، كي تتفاجئ به أقرب إليها مما تتوقع، فـ شھقت بصرخةٍ مكتومة، بينما قابل هو حالة الذعر تلك بـ إبتسامة شامتة ثابتة للغاية، وهو يسألها بصوتٍ رخيم :
– إنتي كويسة ؟.
احتاج الأمر ثواني معدودة حتى استعادت توازنها الإنفعالي، ثم أجابت بشئ من الإنفعال فشلت في التغطية عليه :
– خضيتني!.. إنت بتعمل إيه هنا؟.
تلوت شفتيه مستمتعًا برؤية حالتها تلك، وأجاب بفتورٍ :
– جيت أطمن عليكي، بس انتي مش موجودة گالعادة.. كنتي فين؟.
تحركت من أمامه، كي تتخلص من نظرات عيناه التي تقبض على أنفاسها قبضًا عنيفًا، وهتفت بـ :
– وديت زين عند المُربية بتاعته عشان ورايا شغل بكرة بدري.
لم يقتنع كثيرًا بما لفقتهُ؛ لكنهُ أرغم نفسه على التصديق – مؤقتًا – :
– أمممم، كويس.

استدار حتى يغادر، فـ لمحت ذلك الخدش الغائر برقبتهِ، والذي تبيّن حداثتهِ، كأنهُ كان يفرّ من شئ ما فـ أصابهُ ذلك. لم تسألهُ عن سببهِ، ربما لم ينتبه إليه من الأساس، ولفت إنتباهه له ليس صحيحًا الآن بأي شكل. تركتهُ يبرح الغرفة كي تتنفس، وقد آمنت أن اختفائه لم يكن بأمر طبيعي، وإنه يلعب معها بقوانين مختلفة، عسى أن يفوز هو هذه المرة، وبالفعل بدأ ينتصر.
دخل “حمزة” غرفتهِ بدون أن يشعر بآلام جسدهِ المتفرقة، فقد انشغل بالهِ بما حدث الليلة وإلى أي مدى يتعلق بها، وعقلهِ مازال يعمل عملًا دؤوبًا من أجل الوصول لإجابات منطقية تُرضي شغفهِ. نزع قميصهِ فـ استشعر إلتهاب رقبتهِ، نظر عبر مرآة دورة المياة ليرى ذلك الجـ،ـرح البارز في جلده، ليستعيد في ذهنهِ كيف أُصيب به أثناء هربهِ.
—عودة بالوقت للسابق—
لحظات قليلة جدًا وكان “حمزة” يُغلق الخزانة وينتقل نحو دورة المياة، وأتبع الخطوات التي أملتها عليه “تهاني” بالظبط، حيث أرشدتهُ لمكان سرّي سيتمكن من

 خلاله الهروب في حال حدوث أي طوارئ خارجه عن إرادتهِ. فتح تلك النافذة الكبيرة ليجد بينها وبين النافذة المقابلة ممر رخامي ضيق، فـ لم يُضيع من وقته وبدأ ينفذ التعليمات التي ألقتها عليه حينما قالت (” الشباك ده بيطلّ على شباك الشقة اللي جمبي، هتنط منه وتفتح الشباك التاني وتدخل الشقة التانية على طول، دي برضو بتاعتي، كنت عملاها للطوارئ”).
وبالفعل قفز بداخل الشُقة الأخرى قفزة مباغتة، وخُدشت رقبتهِ بمسمار رفيع طويل مثبت بالنافذة لم ينتبه له، لكن كمية الأدرينالين المفرطة في دمائه جعلتهُ لا يشعر بالألم في حينها وأغلق النوافذ جيدًا، وبقى مُحاط بالظلام لفترة حتى يتأكد من أن الوضع آمنًا لخروجهِ، استمع لصوت تحركاتهم بالشُقة المجاورة، حتى ساد الهدوء فجأة. تحرك ببطءٍ حريص، ليجد نفسه في مكان آخر يشبه ما سبقه بشكلٍ كبير، توجه نحو أقرب شرفة، نظر من خلالها ليرى رجال الشرطة يتحركون من أمام العقار مغادرين، فـ أخرج هاتفهِ ليجد مكالمتين فائتتين من “راغب”، عاود الإتصال به فـ استمع لصوتهِ الصادح :
– ياعم مبتردش ليه البوليس كان تحت البيت!.
فـ أردف “حمزة” بعجالةٍ :
– لف بالعربية وتعالى من ورا وأنا نازلك بسرعة.
—عودة للوقت الحالي—
مسح على جرحهِ بقطڠة قُطن مغموسة بمطهر مضاد للبكتيريا، ثم ألقاها وتحرك نحو خزانتهِ، أدخل الرقم السري وفتحها ليخرج حاسوبهِ الشخصي، ذمّ على شفتيه مستشعرًا بالشماتة تتفشّى في أوصالهِ، فقد أمسك بطرف خيط سيخلصهُ ويخلص “تهاني” وحتى والدهِ سيتخلص أيضًا، وقرر أن لا يترك الفرصة تضيع من بين يديهِ دون الإستفادة الكاملة منها.
**************************************
كانت الثامنة صباحًا، حينما رآها “حمزة” تخرج من البوابة وفي انتظارها ذلك المريب الذي لم يحبه أبدًا “عِبيد”. يحتسي قهوتهِ ليبدأ يوم سيكون طويل إلى حدٍ ما؛ لكن مع رؤيتهِ لها ولخروجها في ساعة مبكرة گتلك سلبت عقلهِ وشغلت تفكيرهِ، تُرى ما هو الشئ الغامض الذي جعلها تخرج في ساعة گتلك وبعجالةٍ هكذا؟. في هذه اللحظة التي هذى فيها عقلهِ بإكثر من احتمال، كان هاتف “حمزة” يضجّ رنينًا، فـ ترك القهوة وتناوله و هو يردف بـ هسيسًا خافتًا :

تم نسخ الرابط