رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز


مشت نحو النافذة، فتحت الستار قليلًا، مسحت الأسفل بنظرة واحدة، فرأت رجالها يحاوطون محيط المنزل داخلهِ وخارجهِ، لاحت ابتسامة طفيفة على ثغرها، اغتصبتها سريعًا وعادت تدخل، تأكدت بأن المزلاق الخاص بالغرفة مغلق، ثم انتقلت نحو الفراش كي تضعه بعد أن هدأ قليلًا، وراحت ترتدي منامتها القصيرة، لكي تُنهي ذلك اليوم الطويل بشئ يستحق عنائها، وتبدأ المباراة الحقيقية في التوّ واللحظة.
**************************************
ترك “راغب” مشروبهِ البارد على الطاولة، وحدق في “حمزة” مذهولًا غير قادر على تصديق ذلك الواقع الذي بات حقيقة إجبارية عليهم :
– يعني البت دي في بيتك دلوقتي ومع أبوك وأمك؟.
لعق “حمزة” شفتهِ بلسانهِ، وظلت أصابعهِ تُلاعب الملعقة بداخل كأس العصير، وباله مشغولًا متكدسًا بأمورٍ عِدّة، زفر زفيرًا مختنقًا، وأسند ظهرهِ للخلف وهو يرد بـ ثِقلٍ جثم على صدرهِ :
– تخيل!.. قال وأنا اللي كنت هاخدها الشقة بتاعتي عشان أوريها مين هو حمزة القرشي!.
عاد يقترب من “راغب” وخَفت صوتهِ وهو يسبّها سبةٍ مُهينة :
– بنت الـ ×××× ــة بتتذاكى عليا!.. بس وحياة أبوها ولا هيهمني.
تجرع كوب المياة الراقد أمامه على سطح الطاولة، ثم تركه فارغًا وهو يردف بـ :
– أنا عايز أجيب تاريخ البت دي كله، من أوله لآخـره.
عرض عليه “راغب” المساعدة برغبةٍ صداقة وسعة صدر :
– هاتلي بطاقتها، وسيب الباقي عليا.. أسمها لوحده مش هيكفيني.
أومأ “حمزة” رأسه مؤيدًا :
– صح، أسمها لوحده مش كفاية، ده يمكن يكون مش أسمها كمان.
أشار “حمزة” للنادل وهو يسحب محفظة نقودهِ من جيب بنطاله :
– هات الشيك يابني.
فسأله “راغب” :
– هتروح دلوقتي ؟؟.

نظر “حمزة” لساعة يدهِ وهو يجيبه :
– لأ، هطلع على شقتي.. أنا مش طايق البيت كله، وأمي كمان لسه ليها موال معايا بكرة.. خليني أفصل عشان يومي طويل.
فتح “حمزة” حافظة النقود، فلم يجد بها ما يكفي لدفع الحساب كاملًا، فـ نفخ منزعجًا وهو يطلب :
– هاتلي مكنة فيزا مش معايا كاش دلوقتي.
فـ أشار له “راغب” ليُصرفهُ عن مسألة دفع الحساب :
– خلاص أنا هدفع الحساب، روح انت شكلك مش طايق نفسك.
فـ نهض “حمزة” عن مجلسه ووضع الحافظة في جيبه :
– طيب، أنا ماشي.
والتفت ليمشي بخطواتٍ متعجلة، لا يُطيق حتى النظر في وجوه الناس، كل ما يشغل عقله ربط الأحداث سويًا، وفك تلك العُقد المتشابكة التي صعّبت عليه حلّ اللغز. كل ما حدث وما زال يحدث ليس تخطيط ليلة واحدة، وكأنه تنظيم طويل، خلفهِ الكثير من المُدبرين، وليست ليلة عابرة قضاها مع إحداهن فـ نتج عنها طفل الخَطيئة؛ لكن كيف سيحلّ كل ذلك؟.. من أين يبدأ؟. حتى الآن رأسه مُشتتة للحد الذي يمنعه من التفكير بعمقٍ وتروِ، والوصول لأصل الحكائة قد يستغرق منه وقت أطول مما يظن. نفخ “حمزة” بنفاذ صبر، واستقر داخل سيارته وهو يتمتم بـ :


– أخرتك على إيدي يابنت الأبالسة..
تذكر أنه ترك نقودهِ ومفاتيح شُقتهِ بالمنزل، فـ تأفف شاعرًا بـ اضطرارية في الرجوع إلى هناك، وهذا كان أثقل شئ على قلبهِ في هذا الحين..
**************************************
لا تدري من أين أتتها الثقة البالغة، بأن تلك الغرفة التي تقف أمامها الآن هي غرفتهِ. نظرت يمينًا ويسارًا بحرصٍ وتأني، ثم فتحت الباب رويدًا رويدًا، حتى أصبحت في حُضن حِصنهِ، حيث رائحتهِ التي غلفت المكان كُله، فـ انقبض قلبها بإختناقٍ حاولت التغلب عليه، وتلهّت في التنقيب بزوايا الغرفة وحفظ تفاصيلها جيدًا. كانت الغُرفة مُرتبة بشكلٍ أنيق لن تنكره، لا تحمل أي تفاصيل مريبة تدعوها للبحث عنها، لكن حدسها جعلها لا تتوقف لدى البحث في الأماكن الظاهرة فقط، وبدأت تبحث أكثر في الأماكن التي لا تخطر بذهنها. دلفت لتلك الغرفة الصغيرة التي خُصصت لملابسه، شملت الأرجاء بنظراتٍ خاطفة، حتى لمحت خزينة كبيرة إلى حدٍ ما بقيت في أحد الزوايا، مُشفرة، تحتاج لأرقام سرية لإمكانية فتحها، فتلوت شفتيها بنزقٍ وتجولت في بقية المكان. فتحت أحد الأدراج، فلم تجد سوى أشياء تخصهُ، ساعات فضية باهظة الثمن، ملقط، مقص أظافر. أغلقته وفتحت آخر، فوجدت ظرف أبيض كبير، تناولتهُ بتحفزٍ وفتحته لتجد توكيل رسمي من إحداهُن، يبدو إنها إحدى عُملائه؛ لكن إسمها ليس غريبًا عليها، ضغطت على عقلها قليلًا، كي تتذكر ذلك الأسم الذي شعرت بإنها تعرفه مُسبقًا، حتى أضاء عقلها وتذكرتها، حدقت عيناها، وأخرجت هاتفها من جيبها كي تحتفظ بصورة من ذلك التوكيل، اعتراها شئ من الإضطراب، وهي تستعيد في ذهنها ما يخص تلك السيدة اللعينة، التي يعمل “حمزة” گـ مُحامٍ لها، ثم تمتمت بإنفعالٍ كتمته :
– طبيعي، هتوقع إيه من واحد شمال زيه!.
اهتز هاتفها، فأجابت عليه بسرعة :
– أيوة ياعِبيد.. إيــه ؟.

 

تم نسخ الرابط