رواية أغصان الزيتون
تداعبهُ وتعطيهِ حصّة من وقتها واهتمامها بعد إهمالها له الفترة الماضية. راقب تعلقّها الشديد به، وكيف إنها متعلقة به لهذا الحدّ، فـ أيقن إنه يتبّع المسار الوحيد. عاد بخطواتهِ للخلف، والتفت كي يعود إدراجهِ، فـ لمح والدتهِ تنظر له بترقبٍ، فـ أشار لها كي تتبعه :
– تعالي ياماما.
دخل بها غرفتهِ، وأغلق الباب عليهما وهو يقول :
– محتاج منك حاجه.
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه ومازالت محافظة على موقفها الغاضب منه، فـ شحذها متوسلًا :
– مش وقته خالص الله يخليكي.. أسمعيني كويس.
– جانب آخر –
وقفت سيارة “راغب” ينتظر فتح البوابة، حينما كانت عينا “عِبيد” تتفقدهُ وتتطلع للسيارة بنظراتٍ دارسة، فـ تجهم وجه “راغب” وأصاب الحنق تعابيرهِ وهو يهتف بـ :
– أنت هتاخد مقاسات العربية ولا إيه؟!.. ما تفتشني بالمرة!.
أشار “عِبيد” لزميلهِ الواقف لدى البوابة، فـ انفتح الباب أمامه دون أن يُجادله، ومن خلفهِ سيارة أخرى بها رجلان، استوقفها “عِبيد” وسأل :
– جايبن ليه ولمين؟
فـ آتاه صوت جهوري مجيب من خلفهِ :
– أنت مين عشان تسأل سؤال زي ده؟.
كان الصوت معروفًا بالنسبة إليه، فـ استدارت رأسه ينظر إليه ليجد “صلاح” قد اقترب منه بشدّة، ويرميهِ بنظراتٍ حازمة وهو يتابع حديثه :
– أنت هنا في بيتي، ملكش تحاسب الداخل والخارج بالشكل ده.
أشار “صلاح” لـ “سائق” سيارة “حسنين” كي يعبر و :
– أدخل يابني.
ثم التفت ينظر لـ “راغب” الواقف جانبًا و :
– أطلع لحمزة ياراغب، هو مستنيك.
أومأ “راغب” رأسهِ ودخل بعدما نظر لسيارتهِ المصفوفة، بينما كان “حسنين” يترجل عن السيارة ويتناول ذلك الصندوق الخشبي الكبير من خلفية السيارة، عاونه السائق في حمل بعض الأغراض للداخل، وكلاهما ولج للمنزل وسط أعين “عِبيد” المراقبة.
أنهت “سُلاف” ارتداء ثيابها، وتركت “زين” على الفراش ريثما تبحث عن حذائهِ الصغير، حينئذٍ كان “حمزة” يدخل الغرفة دون سابق إنذار، فـ اعتدلت “سُلاف” في وقفتها وهي ترنو إليه بنظرةٍ مستفهمة :
– يا أهلًا.
– بطاقتك فين؟؟.
كان سؤالًا مباغتًا؛ لكنها أجابت دون اكتراث :
– مش معايا، نسيتها في المكتب.
رأى حقيبتها على الفراش، فـ تقدمّ منها وسحبها بيده، وخرج من الغرفة وسط أنظارها العالقة به. ضحكت بإستخفاف وهي تتابع البحث عن حذاء الصغير حتى وجدت إحداهم أسفل الفراش، فـ سحبتهُ وقامت بتلبيسهِ إياه، وداعبت أنفهِ وهي تهمس بـ :
– هروح ألاعب بابي شوية وأرجعلك يازين.
وخرجت من الغرفة كي تنتقل لغرفتهِ، كان الباب مفتوح فـ دخلت مباشرة لتجد محتويات حقيبتها مفترشة على الطاولة، فـ كركرت بضحكة بدت هازئة، وسارت نحو حاجياتها وهي تهتف بـ :
– تقريبًا ملقتش اللي انت عايزهُ!.
لملمت حوائجها بالحقيبة من جديد، ثم تحركت نحو الباب كي تغادر؛ لكنها وجدته يغلق الباب ويسدّ طريقها، ثم حدجها بـ شئ من الإحتقار وهو يقول بلهجة آمره :
– انتي هتسيبي القضية دي وتنسيها نهائي.
تغضن جبينها بإستفهام فضولي، وسألته بتحيرٍ من تلك الثقة البالغة :
– جايب الثقة دي منين!.
حسم الأمر معها معترفًا بإنه ليس مجرد مطلب عادي منه :
– أنا مش بقولك رأيي، أنا بديكي الأمر اللي هتنفذيه.
اتسع ثغرها بإبتسامة واسعة، وانخفض صوتها قليلًا وهي تردف بـ :
– ومين قالك إني باخد أوامر من حد؟.
وضعت كفها على كتفهِ لتقول :
– خسارة يابيبي، كل ده ومش قادر تعرفني كويس.
ثم ربتت على ذراعهِ متابعة :
– بس معلش، كله هييجي بالوقت.
وتبسمت قبل أن تتجاوزهُ لتفتح الباب :
– باي باي.
خرجت من غرفتهِ متباهية إلى حدٍ ما؛ لكن ثمة أمر علق بذهنها، تلك المناقشة القصيرة لم تكن طبيعية أو بمحض الصدفة، وتلك النظرات التي شعّت من عيناه زرعت مشاعر الريبة داخلها، گمن يُعدّ شئ ما ويجاهد ليضمن بقاءها بعيدًا. تأففت وقد انتابها انزعاجًا شديدًا، ونفضت شعرها وهي تسير بإتجاه الغرفة، دخلت فوقع بصرها على فراغ الفراش، رضيعها غير موجود، يمينًا ويسارًا وهنا وهناك، ليس له أثر، تحركت بهيستيريا تبحث عنه وكأن عقلها توقف لوهله عن قدرتهِ على التفكير، وفجأة أنار عقلها بتلك الطريقة البدائية التي استخدمها “حمزة” لإخراجها من الغرفة، وبالفعل أتت بثمارها وانخدعت بها. صړخت “سُلاف” صرخةٍ مُدوية وهي تنادي بأسمه :
– حـــمـــزة!.
خرجت راكضة من الغرفة، وقد تملكها الفزع، تسارعت ضربات قلبها وتفشّى الرڠب في أوصالها، اقتحمت غرفته وهي تصرخ بلا هوادة :
– إبنـي فـين؟.
كان يضع ساعتهِ حول معصمهِ، وهو يرنو إليها بنظراتٍ شامتة، ثم أردف بـ :
– ماله إبنك؟.