رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز


– ما تغور في داهيه إحنا مالنا؟.
استند “حمزة” على مرفقهِ لينهض نصف نهوض، وهتف بتلهفٍ :
– لازم أعرف يابابا!.
استعاد مشهدهم الأخير سويًا، وما تفوهت به من حديثٍ غالب عليه الحقد والكراهيه الشديدة، كراهيه يستحيل أن تكون وليدة اللحظة، وكأنها سنواتٍ ظلت تتضاعف تأثيراتها حتى بات الوضع على ما هو عليه. أحس وكأنها لغز مُشفّر وعليه حلّ شفرتهِ مهما كان الثمن، ومهما كلفتهُ النتائج. صمتهِ لم يكن علامة خير أبدًا، حتى “صلاح” راودتهُ الشكوك حول ما يفكر فيه الآن بمفرده، لدرجة سلبت عقلهِ وجعلتهُ حتى لا يسمع نداءه المتكرر :
– يابنـي بـكلمك!.
– مفيش يابابا، مفيش.
أرخى “حمزة” ظهرهِ للخلف، وقرر أن يضع الأمر كُله طيّ الكتمان، حتى يبلغ الحقيقة، حتى وإن كانت قاسية صعب تحمّلها، فالأمر ليس مجرد عداء بينهما، بل تخطّى ذلك بمراحل عدّة، وهذا ما تيقن منه اليوم، وعليهِ حلّ العُقدة من جذورها حتى يُسكت ضجيج عقلهِ الذي لا يكفّ عن التفكير بأي شكل.
**************************************
مرّ يومين، يومين وهي مختفية تمامًا بدون أي أثر لها، ليست في منزلها المجاور له ولا بأي مكان آخر، مما ترك علامة إستفهام كبيرة لدى “حمزة” الذي واصل البحث عنها هُنا وهناك.
أغلق “حمزة” هاتفهِ وتركهُ على سطح المكتب حينما دلف “نضال” إليه بعدما قرع الباب :
– صباح الخير ياحمزة، طنط أسما قالتلي إنك هنا من امبارح ومطلعتش أوضتك.
نهض “حمزة” عن مقعدهِ بصعوبة، وهو يستشعر آلامًا بالغة في جسده لم تتعافى بعد، استند على المكتب وهو ينتصب في وقفته، ثم أردف بـ :
– كان ورايا شغل كتير، قولي انت عملت إيه؟.

ترك “نضال” حقيبته على الطاولة وأجابه بالتفاصيل :
– الناس شغالين في المكتب ليل نهار، وعاملين ورديات كمان عشان يقدروا يسلمونا في المعاد اللي اتفقنا عليه.. متقلقش المكتب هيرجع أحسن من الأول.
وضع “حمزة” يدهِ في جيب البنطال الرياضي الذي يرتديهِ، ونفض بيدهِ الأخرى شعرهِ الفوضوي متسائلًا :
– وملفات العملا بتوعنا؟.
– الملفات الإلكترونية اللي انت كنت محتفظ بيها طلعنا منها نسخ، ودي أنقذتنا من كارثة كبيرة جدًا كان ممكن تحصل.
نظرة إعجاب من “نضال” صوبها نحوه، وسأله بفضولٍ :
– بس انت جاتلك الفكرة واحتفظت بالنسخ دي إزاي ؟.
نظر “حمزة” لهاتفهِ كأنما ينتظر مكالمة ما، وأجاب بشئ من العشوائية :
– أنا بحب أضمن شغلي يانضال، هو أنا جديد عليك ولا إيه؟.
رنّ هاتفهِ بالفعل، فتحرك حركةٍ مباغتة أوجعت مفصل الركبة لديهِ، كتم تآوه متألمة وأجاب على الفور :
– ها ياراغب؟.
– ملهاش أثر، هلكتني وهلكنا الناس اللي معانا بقالنا يومين وإحنا بندور من هنا لهنا، ما تسيبك من الموضوع ده ياحمزة وخلينا نركز في اللي ورانا!.. وأهي جت من عندها وغارت في داهية هي والعيل اللي لزقته عليك.
تأفف “حمزة” منزعجًا من تكرار “راغب” لنفس الكلام في كل مرة، وتجاهل تمامًا الرد عليه وهو يقترح :


– شوف الناس بتوعنا في المرور يمكن حد يساعدنا ويوصلنا ليها، عايزين نعرف آخر مرة الردار رصد عربيتها كان فين وأمتى؟.
بدا صوت “راغب” حانقًا من إصرار “حمزة” المتعنت :
– برضو ؟.. طيب اللي تشوفه ياعم، هريحك وأعملك اللي انت عايزهُ.
-سلام.
ترك الهاتف جانبًا والتفت ينظر لـ “نضال” الذي سأله مستفهمًا :
– إيه اللي بيدور في راسك ياحمزة؟؟.
لم يحبذ الآن أن يفصح عن أي شئ، فـ انسحب من الرد قائلًا :
– ولا حاجه.. أنا هطلع ارتاح شوية لأني صاحي من الفجر ودماغي فصلت خالص، بعدين نبقى نكمل كلام.
سحب هاتفهِ وبرح الغرفة بتؤدة، محافظًا على أن لا يُسبب لنفسهِ أدنى ألم، في الوقت الذي كان فيه “نضال” يسأل نفسه ما الذي أصابهُ، وما سرّ حالة هدوءهِ – الغير معتادة منه -؟ ولماذا يبحث عنها بـ اقتتال هكذا؟.. الأمر كله معقد بالنسبة إليه، والتفكير به وحده لن يصل به لأي نتيجة، لذلك عليه الرجوع لمن سيُفيده أكثر ويشاركه الرأي، عسى أن يصل بذلك لما يفكر فيه “حـمزة”.
**************************************

– حمزة لقى إن كل طاقته راحت على الفاضي، وكل اللي عمله مجابش نتيجة مع سُلاف، عشان كده قرر يغير استراتيچية التعامل.
كان ذلك تفسير “عِبيد” للأمر، والذي بدا منطقيًا إلى حدٍ ما؛ ومع ذلك لم يكن مرضيًا كفاية بالنسبة لـ” نضال” :
– أو بيخطط لحاجه أكبر من كده!.
اعترض “عِبيد” على ذلك التخمين، مبررًا اعتراضهِ بـ :
– لأ، حمزة شاف بنفسهُ إن سُلاف ممكن تقتله وتقتل روحها عادي جدًا.. ووصله إن مفيش حاجه هي خايفة تخسرها!.. يعني عرف هو بيتعامل مع مين، وهيفكر ١٠٠ مرة قبل ما يخطط لأي حاجه تانية من النوع ده.

تم نسخ الرابط