رواية أغصان الزيتون
كان صياحهِ يتجول في البيت كلهِ، وهو في حالة لا يُرثى لها، بعد انتصارها الساحق عليه، وبدرجة إمتيـاز :
– يـوم!.. هو يوم واحد بس سيبت فيه البيت، أرجع متجوز من واحدة ملزقة نفسها فيا!.. وكله بسبب إندفاعك.. إزاي تغلطي غلطة زي دي مش قادر أستوعب!.
وزعت “أسما” نظراتها الحانقة على زوجها وإبنها، واستنكرت موقفهم الضعيف حيال “سُلاف” – من وجهة نظرها – :
– أنت وأبوك اتفقتوا خلاص وأنا اللي غلطانة!.. عشان مش قابلة واحدة من الشارع تبقى هنا!.
لم يقوَ “حمزة” على ردع إنفعالهِ الثائر، بعدما دفع هو ثمنًا غاليًا جِراء فعلتها :
– قولتلك أصـبـري عـليا!!.. كل حاجه كانت هتتحل بطريقتي.. إيه رأيك في النتيجة!. دلوقتي بقيتي حماة رسمي.
ابتعد “حمزة” خطوات للخلف وهو يختم حديثه :
– أتعايشي بقى مع الواقع اللي حطتينا فيه بنفسك، عشان عمري ما كنت هقبل أمي تدخل أقسام وتبقى متهمة بالشروع في القت.ل.
أوفض نحو الدرج، وفي عقله تتجدد المشاهد مرة وأثنين وثلاثة، كأنها أقسمت أن تُبرح رأسهِ وألا تغادرها…
(عودة بالوقت للسابق)
وقف “راغب” في ظهرهِ مباشرة، ونيابة عنه كان يرفض وضع گهذا رفضًا قاطعًا :
– أنتي شاربه حاجه ولا دماغك راحت منك!.. جواز إيه اللي بتكلمي عنه.. مفيش حاجه من دي هتحصل.
لم تُعيره “سُلاف” اهتمامًا، وارتكزت عيناها الدقيقة على “حمزة” الذي بُهت وجمدت حدقتاه عليها :
– ده العرض اللي عندي، لو وافقت نروح للمأذون دلوقتي.
مازال الصمت يُخيم عليه، حتى تعجب “راغب” حالتهِ وحثّهُ على التكلم :
– ما تقول حاجه ياحمزة.!؟
امتدت أنظار “سُلاف” لأمتارٍ عديدة، حيث كان الشُرطيّ يقترب بإتجاههم، فـ تبسمّت بـ إبتسامةٍ مُغزية، وأشارت عيناها صوبه مرددة :
– مش لازم يقول، حضرت الظابط داخل علينا وأم علي هتحكيله كل حاجه.
فـ هتف “حمزة” بإصرارٍ مستميت :
– محدش هيحكي حاجه، ولسانك لو نطق بكلمة هقطعه خالص.
فـ تحدتهُ بكامل وعيها :
– لو تقدر أعملها.
خطف الشرطي نظرة على الجميع وهو يقول :
– مساء الخير.
حينئذٍ لم يجد “حمزة” مفرًا، فـ بحسب معرفتهِ – القصيرة – بها أيقن إنها تصدق إن توعدت، وتُنفذ إذا هددت، لذا لم يكن أمامه فرصة أخرى، للخروج من هذا المأزق دون أدنى خسائر، فـ قطڠ حديث الشرطي قائلًا :
– معلش ثانية واحدة، عايز مراتي في كلمتين.
وسحبها برفقٍ من بينهم :
– تعالي معايا.
هُنا أدركت “سُلاف” إنها نجحت، ووصلت للمبتغى الذي لم يكن في بالها أن تحصل عليه الآن، وبهذه السهولة المُطلقة، گمن أتتها الفرصة على طبق من ذهب. الوصول لتلك المرحلة كان سيستغرق منها جهدًا كثيفًا ووقت أطول، لكن “أســما” أهدتها تلك الفرصة، دون أدنى عناءٍ منها أو مشقة، وهي لم تدّخر وسعها لإقتناصها.
(عودة للوقت الحالي)
مرّ أمام الغرفة التي تسكنها، فـ تضاعفت حُمرة وجههِ الممتعض، مع سماعهِ لصوتها وهي تداعب الصغير وتُغير في صوتها، أطبق جفنيهِ يعتصرهما، وعجّل من خطواتهِ كي يبتعد صوتها عن مسامعهِ، دلف غرفتهِ وصفع بابه ليرجّ صوتهِ المنزل كلهُ، ومن بعدها سكن هذا الصخب تمامًا، وعمّ الصمت المريع أرجاء البيت، بعد أن انصرف “صلاح” عن زوجتهِ المجڼونة التي دفعت بهم لتلك المرحلة، متيقنًا أن الحديث معها لن تكون له جدوى، وما عليه الآن هو تشكيل سدّ يحول بين تصرفاتها وبين “سُلاف”، تلك الحيّة التي باتت في أحضانهم، وعليه امتصاص سُمّها قبل أن تزرعهُ بأنيابها فيهم.
**************************************
ساعات الليل الطويلة كانت أرقًا لها، وهي تُفكر بالتخطيط لأمرٍ آخر قد يزجّ بـ “سُلاف” لخارج ذلك البيت؛ لكن الأمر بات في غاية الصعوبة، بعدما أصبحت هي زوجة رسمية لـ ابنها، وخطوة گتلك تحمل الكثير من الأغراض الغير شريفة، التي تضمُرها “سُلاف” لهم. نامت بعمقٍ بعد شروق الشمس، حتى لم تشعر بزوجها الذي غادر مخدعهِ في الصباح الباكر. أحست بشئٍ يتچسس فراشها المُفترش بالحرير، كأن يدًا تسير من فوقهِ، فـ صدر عن ذلك صوتًا حسيسًا. فتحت “أسما” عيناها الناعسة، لم تشعر بنفسها في حالة جيدة، بعد يومان عصيبان قضتهما؛ لكنها أرغمت نفسها على الإستفاقة، خاصة أن الصوت المٹـير لحواسها لم يتوقف بعد. تمايلت على الفراش يمينًا ويسارًا، ونظرت حولها بحثًا عن “صلاح”، لم يكن متواجدًا، فـ اعتدلت في نومتها ونظرت لجوارها، فـ انخلع قلبها من موضعه، وانتفضت انتفاضةٍ مفزوعة، وقد اتسعت عيناها عن آخرها، وهي تصرخ صرخةٍ مُريعة. وقعت من أعلى الفراش وهي تحاول الفرار من أعلاه، بعد رؤية ذلك الثُعبان يسير على فراشها، يزحف متلويًا وكأنه يبحث عن فريسة. هرعت للخروج من الغرفة، قبل أن تكون لُقمةٍ سائغة ينتهي بها الحال للمoت بهذه الطريقة، وأثناء فرارها كانت تصرخ مستغيثة :
– عـــطــا!.. يا عـطـا.