رواية أغصان الزيتون
قطبت جبينها بإستفهام، ورفعت بصرها البرئ نحوهِ وهي تقول :
– خططت إيه وأجرت مين؟.. مفيش أي حاجه حصلت من دي، البنت لجأت ليا وأنا ساعدتها.
تلوت شفتي “حمزة” بغير تصديق، وكأنه آمن بتورطها في الأمر منذ أن ربط سبب زيارتها لمركز “تهاني” بالأحداث الجارية، إذًا هي كانت تعدّ للخطة مُنذها!.
تلك المرة سيكون الوضع مختلف تمامًا، لن يهذي بعصبيتهِ المفرطة وتهديدها والصياح في وجهها وما شابه، سـ يتّبع نهج جديد كليًا. اعتنق الصمت وما زالت عيناه عليها، حتى رآها أنهت تقطيع طبق كامل من التفاح، وتركت السكېن لتستعد من أجل النهوض، فـ قوس شفتيهِ مستهجنًا و :
– والتفاح اللي سيباه متقطع ده مين هيطفحه!.
سحبت عربة “زين” وهي تجيب بنفس الهدوء الذي لا يتغير :
– أنا مش بحب التفاح، بس بحس بمتعة وأنا بقطعه.
ثم نظرت إليه من طرفها وهي تتابع بنبرةٍ مُغزية :
– عندي مهارة في التقطيع غير عادية، بحس براحة نفسية كده كأنها بتغسلني من جوا.. أبقى جرب، يمكن ترتاح.
ودفعت العربة لتسير بها على الكلأ، حتى وصلت إلى الرواق الرخامي وواصلت سيرها بخطى متأدة حتى اختفت من أمام أنظارهِ، فـ انتقلت عيناه للصحن المملوء بقطڠ التُفاح، وقد استدل على وجود طاقة عدوانية مخيفة وخفية بداخلها، تحاول دفنها في مكانٍ ما بأغوارها لكنها تفشل، ولهذه الطاقة دافع قوي مريب، كُلما تأخر في الوصول إليه كُلما استنزفتهُ أكثر ووصلت لمبتغاها أسرع، وهذا ما عليه منعهِ، قبل أن يتـدمـر كليًا على يداها.
تحرك نحو البوابة مستعدًا للخروج، فـ تربصت به نظراتها الدقيقة وهي تتتبعهُ، ثم حانت التفاته من رأسها وهي تستخدم هاتفها المحمول في الإتصال :
– أيوة، جاهز؟.. حمزة خارج دلوقتي.. زمانه رايح هناك أكيد.
شعّت إبتسامة سعيدة على محياها، وهي تُغلق الهاتف وتنظر إليه من جديد، كان يستقر داخل سيارتهِ الجديدة، فـ رمقتهُ مُشفقةٍ عليه وهي تردف بـ هسيسٍ خافت :
– خسارة، مش هتلحق تتهنى بيها.
ثم ضحكت وهي تبتعد عن الشرفة وتابعت :
– غـبـي.. مكنتش أعرف إنك هتسلمني رقبتك بسهولة كده!.
*************************************
توقفت السيارة بالصف الآخر من الشارع، ليرنو بعدها إلى تلك البناية المقصودة بنظراتٍ دقيقة. نظر للمفتاح الموجود بين أصابعهِ، ثم نفخ بإنزعاجٍ شديد وهو يلتفت نحو رفيقه الجالس جواره. كان “راغب” يُدخن سيجارتهِ مرتكزًا بعيناه على نفس البناية، وأردف متسائلًا :
– هي دي العمارة؟.
فأجابه “حمزة” بـ :
– آه ، الدور السادس.
طرد “راغب” النيكوتين من صدرهِ لتتخلل الرائحة النفاذة أنف “حمزة” :
– طب خلينا ننجز عشان مش مرتاح للحوار ده، بس نعمل إيه مضطرين.
نظر “حمزة “للسيجارة التي بين أصابعهِ مستهجنًا، وقد شعر بالنفور الشديد حينما تذكر “سُلاف” عندما كانت تُدخن أمامهِ، لا سيّما المرة الأخيرة التي أحرق فيها يدها فـ أحرقت سيارتهِ الباهظة. تأفف “حمزة” ساخطًا ، وسحب السيچارة من بين أصابعه ثم قذفها من النافذة وهو يصيح بإنفعال :
– ياعم خنقتني بـ أم السجاير دي!.. ماانت عارف مش بطيق ريحتها.
لم يكترث له “راغب” كثيرًا، وأهتم بالتركيز على إنهاء ذلك الأمر :
– طب يلا، شوف هتعمل إيه وأنا هستنى هنا، بس خلصنا الله يخليك.
تأهب “حمزة” للترجل عن السيارة بعدما سحب حقيبته الجلدية التي وضع فيها الحاسوب الشخصي، ثم عبر الطريق للجهة الأخرى ليصعد شُقة “تهاني”، لكي يستحوذ على كل النسخ المُصورة التي احتفظت بها لأولئك الذين سيدعمونها – كما ظنت -. كان الصعود سهلًا بسبب عدم تواجد حارس للعقار، فـ صعد مباشرة دون تضيع مزيد من الوقت، فتح الشُقة وتفقدها بنظراتٍ خاطفة، قبل أن يُسرع نحو الغرفة المقصودة، كان مرتبكًا متوترًا لأول مرة في حياته، وكأنه أتى إلى هنا بقصد السرقة أو ما شابه. فتح الخزانة وبحث بأعينٍ زائغة على ذلك المنفذ السحري المختبئ داخلها خلف الثياب، حتى وجد ذلك المقبض الصغير الذي يقود لذلك المخبأ. ألقى تلك الملابس التي أعجزتهُ عن الرؤية جيدًا، ثم استخدم المفتاح الثاني بفتح ذلك المخبأ. تواجد بداخله صندق صغير للغاية، بداخله (فلاشات) عديدة، كل واحدة منهن ملصق عليها ورقة صغيرة بأسم معين، جمعها كلها ووضعها في الحقيبة، فوقع منهم أثنين، انحنى كي يتناولهم، فـ لفت انتباهه ذلك الأسم المألوف، وبرقت عيناه حينما صدق حدسهِ وهو يقرأهُ مرة أخرى، “شاكر الألفي”!
تناولهم ونظر إليها مليًا، حتى دفعهُ فضوله لفتحها ورؤية محتواها الذي خشى أن يكون – محتوى صادق- . استخدم الحاسوب لفتح (الفلاشة)، فوجد مقطعين من الأفلام القصيرة المصورة، فتح أحدهم وانتظر مرور بعض الثواني، ثم مررهُ بضع دقائق، حتى تأكد من رؤية ما خشى أن يراه. حدقت عيناه عن آخرها، وبدا مذهولًا وهو يتمتم بـ :
– دي لعبت على الآخـر.
أثناء ذلك، كان صوت القرع العنيف على الباب يُدوي بالخارج، فـ انتفض “حمزة” من مكانهِ بفـژع، واستغرق الأمر منه لحظات قليلة حتى تمكن من إخفاء كل شئ في حقيبتهِ. خرج من الباب ليستمع إلى ذلك الصوت الجهوري الآمر بالخارج :
– أكــسـر البـاب ياعسـكـري…
يتبع…رواية أغصان الزيتون الحلقة السادسة والعشرون
“لا يوجد خاسر دائمًا، قد تفوز بالحرب في اللحظة التي أيقنت فيها إنك مهزومًا.”
___________________________________
اقتحمت الشرطة منزل” تهاني” بالعنوة، وانتشر المجندين في أرجاء المنزل من أجل البحث عن الدخيّل الذي اقتحم المنزل، طبقًا للبلاغ الذي تقدم من مجهول بشأن القضية. لم يطول البحث كثيرًا، وخرج الجميع بنتيجة واحدة، وهي أن المنزل فارغ تمامًا من أي أحد، وحتى لا يوجد أثر يثبت تواجد أي شخص هنا.
فـ اضطر الجميع للمغادرة بعد إثبات لحالة البلاغ الكاذب.
أثار ما حدث چنون “سُلاف”، كانت على بُعد خطوة واحدة من تحقيق أكبر إنتصار لها منذ بداية تلك الحرب، كانت ستظفر بما تريد بخطأ واحد منه؛ لكنها لا تعلم كيف تدارك هو الأمر وأنقذ نفسه في اللحظة الأخيرة، والأسوأ إنه اختفى تمامًا بعدها، وحتى الآن لا تعرف له طريقًا. فكرت بكل الإحتمالات التي قد تكون سببت ذلك الفشل الذريع، ولم يتوصل عقلها لمنطقية أي إحتمال، كأن عقلها يرفض الخسارة، بعدما اعتادت زهو الإنتصار ولذّتهِ. فركت “سُلاف” جبهتها بقسوة، مستشعرة حالة من العجز قد انتابتها، وتجولت من حولها يمينًا ويسارًا وهي تهتف بـ إنفعال :
– إزاي يانضال؟.. إزاي خرج من هناك من غير ما تشوفه؟.
فأجابها بشفافية شديدة :