رواية أغصان الزيتون
– هات المُدعية من برا.
أغمض “حمزة” عيناه لوهله وهو يهمس لنفسهِ بـ هسيسٍ خافت :
– دي الطبخة عالية أوي!.
دخلت “إيمان” ووجهها غارقٍ في الدموع، عيناها حمراء منتفخة وكأنها بقيت طوال الليل تبكي بـ حُرقةٍ، ووقفت جانبًا وهي تشبك أصابعها بتخوفٍ مذعور، فـ اهتاجت “تهاني” وهي تصرخ في وجهها قائلة :
– أنا هوديكي في داهيه، مش هسمح لواحدة زيك ترمي بلاها عليا وعلى سُمعتي.
فـ حذرّها وكيل النيابة تحذيرًا شديد اللهجة :
– تــهـانـي!!.. إنتي واقفة قدام النيـابة!.
فـ زجرها “حمزة” بإنفعالٍ و :
– أهدي ومتورطيش نفسك يامدام تهاني.. خلينا نسمع المُدعية عندها إيه تاني تقوله.
وانتقلت نظراته النارية تلتهم تلك الفتاة العشرينية التهامًا، فـ أبعدت “إيمان” عيناها عنه مرتعدة، وأسرعت تقول :
– أنا مش هتكلم غير قدام المحامي بتاعي.. معايا برا.
فـ أشار وكيل النيابة للمجند مرة أخرى وهو يعاود الجلوس على مكتبه :
– خلي المحامي يدخل.
فتح المجند الباب، فـ أصرف “حمزة” عيناه عن ذلك المنافس الذي سيواجهه بعد لحظات، وكُل منهم سيرفع حربتهِ ليحارب الآخر بسنون القانون، وتجاهل فضولهِ ورغبته الشديدة في النظر لرؤيتهِ، حتى تخلل مسامعه صوت الحذاء الذي بدا وكأنه حذاء حريمي، فـ التفتت عيناه على حين غرة ونظر، ليُصدم بتلك الصد@مة الشديدة، گمن وقعت القڼبلھ في أحضانهِ ولم يتبقى سوى انفجارها. تقدمت بخطواتها المتثنية من وكيل النيابة، ووضعت هويتها أمامه وهي تردف بجدية حازمة :
– سُلاف محفوظ السُني، حاضرة مع المُدعية…
يتبع…رواية أغصان الزيتون الحلقة الرابعة والعشرون
“بينما تعتقد إنكَ حُرٌ طليق، تكتشف إنكَ مُقيدٌ ذليل.”
_____________________________________
بقى گالصنم المحكوم بسلاسلٍ حديد، لمدة تزيد عن ساعة كاملة، اختلى فيها بمكتبهِ بعدما نوه على الجميع بإنعدام رغبته لرؤية أي أحد. لقائهما – المهني – الأول ومواجهتهم في قضية حساسة كتلك، كان أمر تقبّله عسير عليه، ورغم محاولاتهِ الكثيرة لكي ينسى ذلك المشهد إلا إنه تكرر مرارًا أمام عينيهِ.
—عودة بالوقت للسابق—
تصلبّت كل عضلاتهِ، وحتى عضلات فكيهِ لم تتحرك قيد أنملة، وهو يرى دفاعها المخضرم المحنك، والذي بدا وكأنه مُعدّ له مسبقًا وبشكل احترافي متين :
– وده المثبت قدام سيادتك يافندم، مجرد ما موكلتي لجأت ليا خوفًا من تقديم بلاغ ضد السيدة تهاني وأنا شجعتها بإتخاذ إجراءات فورية تضمن القبض على المتهمة بشكل قانوني وسليم، وبناء عليه أخدنا تصريح من النيابة بالتسجيل للمتهمة ومراقبتها وكل حاجه مثبتة بالأدلة.. عشان كده بطالب بـ محاكمة السيدة تهاني بتهمة التحريض على الفجور وإدارة شبكة كبيرة جدًا للدعارة من أجل إستقطاب رجال الأعمال وذوى النفوذ.
لم يجد “حمزة” ما يقوّي به دفاعهِ، كانت يداه ضعيفة وغير محكمة، لذلك كان يتخبط وكُل همّه الحصول على قرار الإفراج عنها، حتى تتسنى له الفرصة لكسب وقت
وإعداد خِطة ينقذها بها من هُنا :
– أنا أعترض على اللعبة اللي أشرفت عليها زميلتي المحامية للإيقاع بموكلتي، السيدة تهاني واحدة من رائدات خبرا
التجميل في مصر وليها فروع كتير على مستوى القاهرة الكبرى كلها ولها محل سكن ثابت ومعروف، وبناء عليه بطالب بالإفراج عنها بضمان محلّ إقامتها، لحين استكمال التحقيقات وإثبات براءتها بالأدلة.
لم يقتنع وكيل النيابة بـ أيًا من دفاعهِ، مؤمنًا بإنها وقعت بالفخّ وبدون تزييف الحقائق، حينئذٍ كانت “سُلاف” ترد كي تُفسد الأمر مجددًا :
– الإفراج عن السيدة تهاني لن يُفيد ياحضرت الوكيل، سوى إنه مضيعة للوقت وإهدار للحقوق وكمان في محاولات دنيئة للتلاعب بالأدلة.
فـ لم يقف “حمزة” أبكمًا وهتف أيضًا :
– ده إتهام مسمحش بيه ياأستاذة، النيابة بنفسها هتشرف على القضية خلال فترة التحقيقات ومستحيل تغضّ بصيرتها عن أي تلاعب.
لاحظ وكيل النيابة إحتمال تطور الأمر بينهما، فـ تدخل باللحظة المناسبة لفضّ الإشتباك بينهم قبل أن يبدأ، وضـ،ـرب بـ يُسراه على سطح المكتب وهو يهتف بصياحٍ :
– بــس.
ساد الصمت المريع فجأة، حتى هتف وكيل النيابة قائلًا :
– أكتب عندك، قررنا نحنُ……
—عودة للوقت الحالي—
وضع “حمزة” أصبعيهٍ أعلى أنفهِ، ليضغط عليها قليلًا بعدما أصابهُ شعور بالدوّار، فـ انفتح الباب على مصرعيهِ، ودلف “راغب” ثم أغلقهُ من خلفهِ وهو يسأل بعجالةٍ :
– حصل إيه أحكي بسرعة ؟.
زفر “حمزة” وهو يرخي رأسهِ للخلف قليلًا و :
– خدت حبس أربع أيام على ذمة التحقيق.
ذمّ “راغب” على شفتيهِ بحنق، وجلس قبالتهِ منزعجًا وهو يسأله :
– طب وبعدين!.. اللي فهمته منك إن الفخّ مطبوخ على الهادي.
ضـ،ـرب “حمزة” على سطح المكتب ضربةٍ عنيفة، أسقطت الإطار الذي يحمل صورتهِ وشقيقتهُ، ونهض مندفعًا وهو يقول :
– تهاني وقعت ولا حد سمى عليها!.. طالما بنت الـ ×××× حطيتها في دماغها يبقى هتجيبها أرض.