رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز


– أنا قولت محدش هياخد حاجه معاه.. إنت إيه ؟.. أطـرش ؟.

غرق وجه “مؤنس” في عرقهِ، ولم ينتظر ثانية واحدة إلا وهو يركض من هُنا ليستأثر بعمرهِ ولا يُفنيه هباءًا، بعد أن أيقن بصدق وعيد ذلك المجڼون. ركض فرارًا من المنزل كله، حتى لم يبحث عن “أسما”، والتي تسببت في مجيئهِ إلى هنا وتكليفه بتلك المهمة اللعينة، وذهب بلا عودة. راقب “عِبيد” مغادرتهِ حتى تأكد منها، ثم أسرع يدخل إليها بعدما أعاد السـ،ـلاچ إلى خاصرتهِ. لم تكن موجودة على الفراش، فـ تصوبت عيناه نحو دورة المياة، وخطى نحوها وهو يسأل :
– أنتي كويسة ؟.
فجاءهُ هسيس صوتها الضعيف :
– آه.
– في حاجه حصلت، حد منهم عملك حاجه؟؟.
بنفس النبرة المكلومة، التي لم تقوَ السيطرة على رائحة الوجع فيها :
– لأ، سيبني دلوقتي.
أحس بوجوب تركها وحيدة الآن، مؤكد إنها عاشت لحظات عسيرة للغاية حتى وصل هو إليها. فـ خرج بالفعل وأغلق الباب من خلفهِ، مع سماعها صوت الباب حتى تأكدت إنها بمفردها، فـ انھارت سيقانها الرخوة ليلتقي چسـدها   بالأرضية، انتحبت بصوت مكتوم، خشيةً أن يرى ضعفها أي أحد. كفها يتچسس موضع قلبها المضطرب، ونبضاتها تتسارع من قسوة وقع الأمر عليها. انهمرت الدموع الصامتة من عيناها، وكأنها لهيب يمسّ جلدها فـ يحرقه، بقيت محاصرة بين مشاعر الوجع الخانقة للحظات طويلة، حتى امتلأ صدرها بمزيد من مشاعر الحقد الكارهه، وفاض بها الكيل حتى بلغ مبلغهِ الأخير. مسحت “سُلاف” دموعها بظهر كفها، احتقنت عيناها وهي ترى أمامها صورة متجسدة لـ “أسما”، والتي لم تتعظ من تحذيرها – الودّي – المرة السابقة وقررت العبث معها مرة أخرى، فـ أصرّت أن يكون الدرس تلك المرة قاسيًا بما فيه الكفاية، حتى يترك أثرهِ في ذاكرتها، فـ يبقى طازجًا ولا تنساه ما حيت.
***************************************
طرق “حمزة” على سطح المكتب بأصابعه، وهو ينظر لملف القضية القابع أمامه بأعينٍ شاردة، مطّ شفتيهِ مستنكرًا، ثم رفع بصرهِ نحو والدهِ المترأس لمكتبهِ الفخم المصنوع له خصيصًا من خشب السنديان، وأردف بـ :
– أنا شايف إنك لسه بتوكلني في قضايا تبع مكتبك رغم إني انفصلت وبقالي مكتب خاص!.
تبسم “صلاح” في وجهه وهو يجيبه بفخرٍ :
– عشان في قضايا لما بشوفها بحس إنها اتوجدت عشان حمزة القرشي بس هو اللي يمسكها.. صحيح إني الأستاذ وإنت التلميذ، لكني علمتك كويس أوي ياحمزة لحد ما شربت كل حاجه وتفوقت كمان عليا.
نهض “صلاح” والتف حول المكتب كي يجلس قبالته وهو يتابع :
– قضية مهمة زي دي هتبقى سهلة بالنسبالك أنا عارف.

لم يغير إطراء والدهِ عنه رأيه، وظل متحفظًا على توكيل أبيه له بمهامٍ يرى إنها تفوق سعة وقته :
– ماانت متمسك براغب ولسه معاك في المكتب، واحنا الأتنين منتخيرش عن بعض.
– القضية دي صاحبها عايزك بالأسم.
تغضن جبينه وهو يسأل بفضول :
– وهو يعرفني منين؟.
– ميعرفكش، لكن عمه يعرفك كويس.


ولاحت ابتسامة متحفزة على محياه وهو يذكّره :
– نصر بتاع الواحات، فاكره؟.
ارتفع حاجبيه وتجلّت ابتسامته :
– اللي اتقبض عليه عشان حط إيده على أرض الدولة!.
– بالظبط هو.. ده يبقى إبن أخوه.
تنهد “حمزة” وهو ينظر مجددًا لملف القضية، ثم عاد ينظر لوالده وهو يشير لـ :
– يبقى يجهز مبلغ محترم عشان يشتري موظف الشهر العقاري اللي هيضربلنا العقد ويوثقه، الموظفين دول تمنهم غالي شويتين.
لم يكترث “صلاح” بتلك التفصيلة أبدًا :
– ولا يهمك خالص، دوس زي ماانت عايز والواد هيدفع.
وقف “حمزة” عن جلسته حينما دخل “راغب” عليهم بعد طرق الباب :
– مساء الفل.
أشار نحوه “صلاح” و :
– لو عايز تاخد معاك راغب في القضية دي خده معنديش مانع.
ضحك “حمزة” ساخرًا و :
– طبعًا عشان ملف القضية خارج من عندك ياأبو صلاح، إنما لو قضيتي مكنتش فرطت فيه ثانية.
تباهى” راغب” قليلًا وهو يردف بـ :
– معلش أصل أنا مقامي عند الحج صلاح عالي حبتين.
رمقهما “صلاح” بنظراتٍ قانطة و :
– مش عايز رغي كتير، الشغل مش بيستنى.
فرك” حمزة” مؤخرة عنقه، مترددًا هل يخبر أبيه أم لا، وفي الأخير توصّل لضرورة إخبارهِ بما أن الأمر يمسٍ ابنته :
– على فكرة أنا كلمت يسرا الصبح.
تحفزت حواس “راغب” وهو يسمع حديثهما بشأن “يسرا”، ووضع تركيزهِ كله مع “حمزة” وهو يتابع :
– يسرا عايزة ترجع القاهرة.
قطب “صلاح” جبينهِ وهو يسأل مستفهمًا :
– ليه؟.. جرى حاجه تانية بينها هي وجوزها ولا إيه؟.
عاد “حمزة” يجلس من جديد وهو يحرر صدره من زفيرٍ مختنق :
– يسرا عمرها ما اتفقت مع جوزها وانت عارف كده كويس، والمرة دي هي مصممة على الطلاق.

تم نسخ الرابط