رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز

قطبت جبينها وقد شكلت على ملامحها تعابير الإستنكار من حديثهِ، وكأنها شخص برئ يتعرض للظلم وسوء الظن منه :
– مش فاهمه تقصد إيه بالظبط، بس تقريبًا في حاجه قلقتك.
تبسمت بفتورٍ وتابعت :
– وإلا مكنتش ربطت الأحداث دي كلها واستنتجت منها إني بعمل حاجه!.
مال “حمزة” بجسدهِ للأمام، واستند برسغيهِ على ركبتيهِ وهو يحدق بعيناه فيها، نظرةٍ أشعرتها بالقشعريرة من فرط عُمقها ومعناها المرڠب، كأنه يتوعدها وعيد حقّ :
– أنا مش من مبادئي الفرصة التانية، لكن هعمل ليكي إستثناء.. ولأول مرة في حياتي هسأل السؤال للمرة التانية.. عايزة إيه مني ومين اللي وراكي؟.
لم يرجف لها جفن، لم ترمش أو تُبدي اهتزازه واحدة، وهي تُجيب بنفس الفتور المتعمد :
– مش عايزة منك حاجه يابيبي، اللي عايزاه إنت عملته خلاص، ودلوقتي هنعيش مع بعض في سلام.
نهض عن جلستهِ، يكافح بأضنى جهدهِ لئلا تنجح هي في استثارة أعصابهِ :
– أنتي كذابة، واستنفذتي فرصك كلها بكل غباء، أوعي تفتكريني عبيط ولا باخد على قفايا ومش شايف اللي حواليكي.
حنى ظهرهِ حتى اقترب وجهه من وجهها، وتبادلت النظرات بعضها لبعض وهو يتابع :
– أنتي مش صُدفة، أنتي كنتي خطة قوية أوي واترسمت عليا صح، مش معنى كده إنك هتفضلي تكسبي على طول!.. الرجالة اللي حطاهم حواليكي ، الفلوس اللي بتصرفيها على الرشاوي اللي بتخلص أمورك!.. كل ده مش هيعدي من دماغي، ده أنا حـمزة.
وانتصب واقفًا وهو يبتسم هازئًا ليقول :
– البت اللي سربتلك تحليل الأبوة من المعمل عرفت أجيبها، قطعت عيشها وخربت بيتها كمان، وأي حد هيساعدك ويقف معاكي كأنه وقف في وشي أنا.. وأنا مش هتهاون أبدًا.
مشى بإتجاه الباب منصرفًا عنها، فـ استوقفهُ صوتها وهي تسأله :
– مش عايز تسأل عن حاجه تانية؟.
لم ينظر حتى تجاهها، فقط وقف بمحلّه منتظرًا أن تلقي بما في بواطنها، حتى هتفت بـ :
– إبنـك، مش عايز تسأل عنه؟.
– مش عايز، كفاية عليه انتي.

وعبر الباب دون أن يجتاحهُ ذرة من الحنين، كمن تُغطي عيناه الغشاوة، تركت “سُلاف” ابتسامة تلوح على ثغرها، وهي تستذكر في ذهنها مشهد الصباح، حينما علمت – مُسبقًا – إنها مُحاطة بمُراقبة حريصة…
(عودة بالوقت للسابق)
فتح “عِبيد” باب السيارة لها كي تستقر بالخلف، ثم جلس هو بالأمام وهو ينظر للمرآة الجانبية، ثم أردف بـ :


– خلي بالك إحنا متراقبين.
نزعت “سُلاف” نظراتها الشمسية ذات اللون الفاتح، ثم ضحكت وهي تقول :
– حمزة بدأ يتحرك يعني!.
فعرض عليها “عِبيد” التخلص من ذلك الحصار فورًا إن شائت :
– لو عايزانا نعديهم هيحصل.
تعالت ضحكتها، وأردفت بـ :
– ضحكتني ياعِبيد بجد.. سيبهم، خلي حمزة يفتكر نفسه جامد أوي وعرف يراقبني.
(عودة للوقت الحالي)
دخل “عِبيد” عليها بعدما سمحت له بالدخول حاملًا عربة “زين” في يده، أخرجهُ منها وناولها إياه، ثم أغلق العربة ووضعها جانبًا وهو يسألها :
– تؤمري بحاجه؟.
نهضت “سُلاف” وهي تضم “زين” لأحضانها، وهتفت بـ :
– متنساش بكرة هنروح نجيب أم علي من المستشفى.
– أوامر، أقفلي الباب ورايا.
غادر وأغلق الباب من خلفهِ، فـ أغلقتهُ “سُلاف” بالمزلاج وتوجهت نحو الفراش، وضعت صغيرها النائم بعمقٍ أعلاه، وجلست بجوارهِ تمسح بلين عطوف على بشرتهِ، ثم تحدثت إليه بخفوت كأنه يفهمها ويشعر بها :
– بابي لسه في صدمته، انشغاله بيا خلاه مش شايفك.. لحد دلوقتي مبصش في وشك مرة واحدة ولا عرف ملامحك.. بس معلش، هو عنده حق، أنا كفاية عليك.
انحنت عليه تُقبّل جبينه، ثم تابعت بـ :
– أنا هكونلك الأم والأب والعيلة، عمرك ما هتحس إنك اتولدت من غير أب يازين، اللي أنا حسيته عمري ما هخليك تحسه أبدًا، هعوضك عن كل حاجه أول ما نخلص من المكان ده.. صدقني.
وضعت سبابتها بين أصابعهِ، فـ أطبق عليها بيدهِ الصغيرة في عفوية شديدة منه، أفتر محياها بإبتسامةٍ لم تكن ترغبها، وأطبقت جفنيها المرهقين وهي تسحب لصدرها شهيقًا مُعبأ برائحتهِ الناعمة.
**************************************
– هو ده بالظبط اللي كنا عايزينه.
قالها “مصطفى” بصوتٍ منتصر گالذي حِيزت لهُ الدنيا في لحظة واحدة، تجلّت معالم السعادة على وجهه المُشرق، كأنه لا يُصدق أن إبنة أخيهِ قد فعلتها حقًا :
– سُلاف عملت خطوة كانت هتاخد مننا مجهود طويل أوي، عملتها في يوم واحد.
لم يكن “نضال” راضيًا عما يحدث، خاصة مع عملهِ بما حلّ عليها من تلك الخبيثة “أسما”، وأن “سُلاف” مُحاطة بسياجٍ سامة حتمًا ستؤذيها :
– أنت عرفت أسما عملت إيه معاها؟؟.

تم نسخ الرابط