رواية أغصان الزيتون
لم تسحرها بهجة الأجواء، لكنها حطّت على جرحها گمادة قوية الإشتعال. دلفت وهي تنظر من حولها بنظراتٍ دارسة، هنا وهناك، وأعلى وأسفل، هي تحفظ المكان جيدًا، وقد حضرت إليه أكثر من مرة، لكنها أرادت التأكد من أن كل شئ سيتم كما ينبغي أن يكون. بقيت بعيدة عن مركز بصر “حمزة”، الذي رافق عروسهِ وهبط بها الدرج في مشهد ملكي عظيم، والجميع ينظر إليهم بتحفزٍ منبهر، حتى وصل بها إلى منصة عقد القران، وجلس جوارها وقبالته والدها “شاكر الألفي”. ابتسم “شاكر” وهو ينظر لـ “صلاح” وهنئهُ :
– مبروك ياصلاح.
ربت “صلاح” على ذراعه و :
– الله يبارك فيك ياباشا، ربنا يقدرنا ونسعد ميان ونبقى عيلة تانية ليها.
فتح الشيخ دفترهُ، وبدأ الحديث ببعض الآيات القرآنية والنصائح الإرشادية للعروسين، گبداية تمهيدية قبل البدء في عقد القران، وأثناء تركيز الجميع مع هذه اللحظة، وحرص الكثير على تخليد هذا المشهد، ظهرت هي من خلفه، تنظر إليه بنظراتٍ مريبة لم ينتبه لها، قبل أن تقتحم صفو مجلسهم بصوتها :
– حـمـزة؟!.
التفت نحو صوتها، وقطب جبينه بإستفهامٍ متسائل :
– أيوة؟.
كان وجهها جامدًا، تعابيرها غامضة، نظراتها تبث القلق والتوتر، وهي تسأله بصوت وصل لجميع من حوله :
– مش قبل ما تتجوز كنت تقول لعروستك إنك متجوز وعندك إبن؟!.
هبّ “صلاح” من مكانه واقفًا، بنفس اللحظة التي وقف فيها “حمزة” عن مكانه مشدوهًا مذهولًا، علت الأصوات من حولهم، وبقى “حمزة” كالذي أصابته صد@مة أفقدته النطق، فـ صاح “صلاح” بها متسائلًا :
– بتقولي إيه يابت انتي؟؟.
التفتت رأس “سُلاف” لتنظر إلى عدوها اللدود، حدقت في عيناه المخيفة، وقالت بثباتٍ لم يهتز :
– إبنك متجوزني عرفي، وأنا جايه النهاردة عشان يعترف بإبنه وبيا قدام الناس كلها.
نهض “شاكر” عن مكانه غير مصدقًا ما يحدث :
– في إيـه الحكاية دي ياصلاح، ما تقول حاجه؟.
فأجابه “صلاح” على الفور :
– مفيش حاجه من دي ياشاكر، دي شكلها مزقوق علينا.
لم يتوانى المصورين والصحفيين عن تخليد تلك اللحظة لتصعيد الأمر وترويجهُ، بينما الجميع يتهامسون حول الفضيحة التي استثارت، وبين كل ذلك انتبه “حمزة” للتو واستعاد إدراكه الذي توقف للحظات، قبض على رسغها، وبقوةٍ مؤلمة غرز أصابعهٍ في لحمها وهو يصرخ في وجهها :
– أنتي بتـقولي إيــه يامـجنونة انتي!!.. أنا اتجوزتك ومخلف منك؟؟ أنتــي!.
تحاملت على نفسها لتحمل الألم، ووضعت رضيعها برفق بين ذراعيه وهي تقول :
– متحاولش تنكر، خلاص مبقاش ينفع الموضوع يستخبى أكتر من كده.
بدأت الدموع تنسال من بين عيني العروس الجميلة، ووقفت عن جلستها هي الأخرى متسائلة بنبرةٍ حزينة :
– صحيح الكلام ده ياحمزة؟.
فـ نفى عن نفسه ذلك وهو يصيح بـ :
– محصلش ، أنا أول مرة أشوفها في حياتي.
ثم نطر نحوها متوعدًا إياها :
– ده أنا هوديكي في ستين داهية.
وأعاد إليها الرضيع بشئ من الإنفعال، حتى كاد يسقط منها، فـ تشبثت فيه بقوةٍ وقد اتقدت عيناها بالشر، خاصة بعدما ان1هار “زين” باكيًا، فـ صاحت في وجهه بإنفعالٍ شديد :
– أنا اللي هوديك في داهية وهقاضيك كمان.
أخرجت ورقة الزواج العرفي من حقيبتها، وفتحتها أمام عينيه وهي تقول :
– ورقة الجواز أهي، بتوقيعك وتوقيعي، وزين يبقى إبني وإبنك.. دي حقيقة مش هتقدر تھرب منها، ولو مش مصدق، نعمل تحليل DNA.
يتبع…رواية أغصان الزيتون الحلقة السادسة