رواية أغصان الزيتون
أومأت “سُلاف” برأسها مؤكدة صحة تخمينهِ العشوائي، فـ انفعل “مصطفى” رافضًا فكرة گتلك :
– مستحيل، مش هيحصل أبدًا، أنا مش هستعملكم طعم عشان أجيب إبن القرشي وأبوه.
تركت “سُلاف” حقيبتها على المنضدة، ثم دنت منه، انحنت حتى أصبحت قرفصاء أمامه، واستندت على ساقيه وهي تتحدث بهدوءٍ متعمد :
– أسمعني ياعمي، أنا هقولك نفس الكلمة اللي قولتها لنضال، أنا آ……
قاطع حديثها غير راغبًا في سماعه :
– مش عايز أسمع، إحنا هنكمل خطتنا زي ما هي، لكن يوم واحد تعيشي فيه جمب اللعين ده مش هيحصل.
– هيحصل.
قالتها بإصرارٍ، وكأنها قد قطعت تذكرة الذهاب إليه، ولا عودة من ذلك. حدجها “مصطفى” مستنكرًا، وقبل أن يصيح بإنفعالهِ كانت تتابع حديثها :
– أنا مش هكون لوحدي هناك.
صدح صوتهِ عاليًا وهو يعقب على ذلك :
– ودي المصېبة، إنك مش لوحدك.
فـ فسرت له حقيقة مقصدها :
– أنا مقصدش زين، أنت عمرك ما هتسيبني لوحدي هناك.
تغضن جبينه بدون فهم، ولم يصل عقله بعد لما تلمح له بغموضٍ شديد :
– قصدك إيه.
تبسمت تلك البسمة الماكرة، التي تلوح على ثغرها كلما تعلق الأمر بشأن عدوها :
– هفهمك ياعمي.
**************************************
كان الأمر غاية في الصعوبة، تخطّي أزمة ثقيلة گتلك، ناهيك عن الفضيحة التي استمرت لأيام ولم تخمد نتائجها، كل ذلك كان له تأثيره السلبي عليها، حتى إنها حبست نفسها بالمنزل ولم ترى أو تقابل جnس بشر، حتى لا تواجه نظرات الشفقة أو حتى الشماتة في أعين الجميع. عبرت “ميان” بوابة النادي الرياضي بسيارتها، صفّتها بالمكان المخصص لسيارات الأڠضاء، وتوجهت بعدها للأماكن المخصصة للسيدات من أجل أعمال (الساونا، الچاكوزي، حمام البخار، مساچ، عناية بالبشرة والجسم). علها تتلقى بعض من الإسترخاء النفسي الذي افتقدتهُ الفترة الماضية، بعدما كانت عروسًا تُزفّ لحبيبها، وانتهى بها الحال لذلك الوضع المُهين. استقبلتها مسؤولة المكان بترحابٍ شديد، دون أن توضح لها الفضول الذي ملأ صدرها فيما يخص تلك الحكاية التي شاعت مؤخرًا :
– أهلًا وسهلًا أهلًا، نورتي المركز ياميان هانم.. أتفضلي.
نظرت حولها بنظراتٍ باحثة، قبل أن تخفض صوتها قائلة :
– بس خلي بالك، أسما القرشي هنا من الصبح.
تصنعت “ميان” عدم الإكتراث بتفصيلة گتلك، بأسلوبٍ بدا حازمًا بعض الشئ :
– دي حاجه متخصنيش، وياريت تخليكي في شغلك.
مضت لتعبر الباب الزجاجي، فـ إذا بها تُصادف “أسما” أمامها بالفعل، أشرق وجه الأخيرة، كونها استطاعت أخيرًا أن تراها، كان استقبالها لها حافلًا – على غير عادتها الفاترة – :
– وحشتيني جـدًا يا مـيان، بتصل بيكي تليفونك مقفول على طول.
انعكست الآيه، الآن “ميان” هي التي تقابل تحيتها بفتورٍ وجمود، حتى إنه يشوبهُ بعض من التكبر المتعمد :
– أهلًا ياطنط، sorry.. رقمي غيرته.
مسحت “أسما” على شعرها وهي تحاول إستدراجها بالحديث :
– المهم أخبارك إيه؟.
– بخير.. عن أذنك.
قالتها بإيجاز ملحوظ، فـ استوقفتها “أسما” وقد اضطربت ملامحها :
– أنا لسه بتكلم معاكي ياميان!.
تنهدت “ميان” وقد تفهمت رغبة الأخيرة وما تسعى إليه، لذلك قطعت عليها طريقها وفسرت علنًا لها :
– مبقاش في كلام ينفع يتقال بينا ياطنط، أنا عارفه عايزة تقولي إيه.. للأسف كلامك كله مش هيكون ليه معنى بالنسبالي خالص، لو عايزة تتوسطي لحمزة عشان بابا ميعملش معاه حاجه فـ ده موضوع خرج من إيدي، وياريت منتقابلش تاني ولا حتى صدفة.
قالت عباراتها واحدة تلو الأخرى، دون وجود أي هدنة بينهما، بعدها انسحبت لتنصرف من أمامها نهائيًا، وقد جمدت “أسما” في مكانها. بعدما كانت هي المتسلطة التي لا تقوَ “ميان” على صدّ كلمتها أو الوقوف أمام رغبتها، أصبحت الآن گالهواء الشفاف، لا تراها “ميان” ولا تسمعها. نظرت “أسما” من حولها فلم تجد أحد من حولهم، فـ ازدردت ريقها، على الأقل لم يشهد أيهم على تلك الأهانة الغير مباشرة لها، وسحبت نفسها لتغادر بعجالةٍ، قبل أن تواجهها مرة أخرى، أو يراها أحد بحالتها تلك.
***************************************
أطالت النظر في صورتها الواضحة، بأحد المنشورات الڈم ..ة لها على مواقع التواصل الإجتماعي، كونها إحدى ضحاېا الذئاب البشرية – كما روجّ البعض -. تنهدت بتحيرٍ وهي تُعيد قراءة السطور مرات ومرات، ثم عادت تتأمل ملامحها مجددًا بدون أدنى فائدة، وفي النهاية تركت الهاتف على سطح المكتب وهتفت بإنزعاج :
– مش قادرة أفتكر شوفتها فين قبل كده!.. ده أنا ذاكرتي حديد إزاي مش فاكرة حاجه زي دي؟.
دخل “نضال” عليها المكتب وهي تتحدث إلى نفسها بذلك الشكل المريب، قطب جبينهِ مذهولًا من حالتها، وسألها بفضولٍ :
– في إيه يارضوى!.. بتكلمي نفسك ليه على الصبح!؟.