رواية أغصان الزيتون
ثم قذفهُ من يدهِ وتابع :
– عارف إنه قميص نوم أكيد مش شرابات!.. بيعمل إيه هنا معاكي؟.
عقدت حاجبيها وقد اتقنت تزييف ملامح الذهول على وجهها :
– هيعمل إيه يعني!.. قميص نومي وأنا في بيت جـ…..
فـ حذرها تحذيرًا شديد اللهجة، من قبل أن تُتم تلك الكلمة أو تتفوه بها :
– حـذاري، حذاري تنطقي الكلمة دي.. سمعتي.
دنى منها، انحنى قليلًا عليها، وهتف بهسيسٍ مرڠب :
– وطالما بنلعب على المكشوف، خليني أقولك إنك هنا عشان بس أدمرك.
غرز إبهامهِ بقسوةٍ موجعة في تلك الحُفرة المغرية، التي تقع بين كتفها وبين عظمة الترقوة، قبل أن ينطق بـ :
– أوعي خيالك يوديكي لمكان تاني عمرك ما هتوصلي له.
گعادتها، غرزت ظفرها في جلدهِ حتى أدمتهُ، فـ انتشل يدهِ سريعًا بعدما سبب لها وجعًا كتمتهُ، وعضّ على شفتهِ في غيظٍ شديد، حينما نهضت هي وابتعدت عنه وهي تتحدث كأن شيئًا لم يكن :
– عايزة أغير هدومي.
لم تسمع سوى صوت صفق الباب الذي هزّ ثباتها، استبد بها الضعف ما أن بقيت وحيدة، بعد مُضيّ وقت طويل في المواجهة والجِدال المحتدم. تزلزلت قوتها التي جسدتّها ببراعةٍ مُحنكة ومحترفة، وأخيرًا تهادى چسـدها رويدًا رويدًا حتى بقى على طرف الفراش، لم تسكُنها الس،ـكينة، ولن تنعم بالراحة ولو للحظةٍ، ما دامت قد دخلت إلى هُنا، ستمشي الطريق حتى نهايتهِ، دون أن تكلّ أو تملّ، دون أن تسقط، دون أن تُهزم.. ودون أن تتراجع.
***************************************
صفقت “أسما” زجاج الشرفة، فـ تصدّع الزجاج وتبيّن فيه أثر لشرخ. لم تتحمل أعصابها ما تُعايشه، لكنها عاجزة عن صدّ عدوان تلك الدخيّلة التي اقتحمت هدوء حياتهم، لـ تُبعثره كما يفعل هواء الخريف في أوراق الشجر اليابسة. غرزت أصابعها في رأسها، ضغطت عليها بعنفٍ وهي تهدر صائحة :
– يعني إيه؟!.. الحُـثـالة دي هتعيش هنا في بيتي يا صـلاح!؟.
نزع “صلاح” يداها عن رأسها، وحاول جاهدًا أن يُهدئها قائلًا :
– افهمي ياأسـما، ده هيكون وضع مؤقت.. إحنا مش محتاجين غير شوية وقت نعرف فيهم دي مين ومين وراها!.. ولحد ما نوصل للي عايزينه لازم تكون تحت عنينا، حمزة مش هيعرف يتحكم في الموضوع غير لما تكون هي قدامه.
دفعت يداه عنها، ورمقتهُ شزرًا وقد اتسعت عيناها عن آخرهم :
– الكلام ده مش داخل دماغي، إبنك ممكن يرمي قرشين في وشها ويطردها من هنا.. إنتوا متمسكين بالموضوع ليه!.
قطب “صلاح” جبينه مستنكرًا، وهتف ممتعضًا :
– إنتي نسيتي إن العيل اللي في إيدها ده إبن حمزة؟؟.
برقت عيناها مذهولة، حقًا لقد اعترف بذلك الطفل الغير شرعي!. احتقنت عيناها بحُمرةٍ غاضبة، وهي تدفعهُ بعيدًا عنها، وصړخت في وجهه صراخًا مُريعًا :
– بـس أســكـت!.. ده إبن حــرام وعمره ما هيكون مننا ولا من دمـنا، سمعت ياصـلاح.
تراجع “صلاح” للخلف خطوات، وقد أيقن أن الحديث معها لن يأتي بنفع، بل إنها تتدرأ وتتمادى أكثر كلما طال الكلام بينهما. فـ قرر الإنسحاب من تلك المناقشة وإنهائها في الحال :
– أسمعي ياأسـما، خلاص اللي حصل حصل.. وإحنا مضطرين نهضم الفترة دي لحد ما تعدي ونخلص من بنت الـ ××××× دي.. من غير ما نسلط العيون علينا ولا كل الناس تجيب في سيرتنا.
اعترضت على ما قالهُ بملء فمها :
– مش هـ…….
قاطعها بصوتٍ خشن لم تقوَ على صدّهِ، فقد وصل الأمر لذروتهِ لديه، ولا يوجد ما تفعله بعد الوصول لهذه النقطة :
– خـلـصنا خـلاص!.. الكلام خلص هنا ياأسما.
والتفت مُغادرًا وهو ينهي كلمةٍ خفت فيها صوتهِ :
– نسوان همّ بصحيح.
خرج ومن خلفهِ تاركًا كومة من النار الحارقة، تكاد تحرق من يقترب منها، تجولت “أسما” بإنفعالٍ وخطوات مندفعة، وهي تغمغم بهسيسٍ متوعد :
– أنا هعرف إزاي أمشيها من هنا، ماشي.
**************************************
انتهت من الإستحمام، وقد تعبأت دورة المياة بكمية كثيفة من بُخار الماء، حيث إنها اعتادت على استخدام مياة ساخنة للغاية. سكبت بعض الماء على المرآة، لتُزيل طبقة البخار عنها، ثم تناولت المنشفة البيضاء وجففت بلطفٍ وجهها الغارق بالمياه، نظرت للمرآة، فـ إذا بتلك القطرة تنسدل على وجنتها؛ لكنها ليست قطرة ماء، بل دمعة غادرت مسكنها بين الجفون، وأطلقت العنان لنفسها كي تسيل على بشرتها، مسحتها أثناء تدقيق بصرها في ملامحها، تلك الملامح البريئة التي لا تُحبها أبدًا، ملامح وديعة لا تعود لتلك الأنثى القوية الجَسورة التي اختارت أن تبقى عليها. تلونت لمئات من الأشكال، برعت في إخفاء هويتها الحقيقية، وإخفاء تعابيرها الأنثوية الرقيقة، لتبقى ما هي عليه الآن. مسحت على شعرها المبتل، اعتصرت بقايا الماء منه، ثم تركته على كتفيها وهي تمسح على عنقها وصدغها، كل ذلك وعيناها لم تفترق عن تقاسيمها، گالتي ترى ملامحها لأول مرة، حتى انتشلها صوت الرضيع “زين”، وقد على بكاءهِ بالخارج، فـ هرعت تغادر دورة المياة لتلحق به، كان على طرف الفراش العريض، كاد يسقط من أعلاه، فـ لحقت به وضمتهُ بين أحضانها، وألصقت شفتيها برأسهِ تُغرقه تقبيلًا وهي تهمس بـ :
– مامي هنا أهو.