رواية أغصان الزيتون
– طب والطفل اللي بينكم والتحاليل أثبتت إنه إبنك!!.. مش عايز تفكر فيه!.
كأن عيناه غرقت في السوّاد من فرط غموضها، وانعقد حاجبيه مستهجنًا الأمر برمتهُ :
– بس متقولش كلمة إبنك دي!!.. إبني مش هييجي من واحدة قضيت معاها ليلة وأنا سكران، أنا عمري ما هعترف بيه ولو جابتلي ١٠٠ تحليل.
كيف له أن كظم هذا الغضپ الذي سيطر على روحه وعقلهِ في آنٍ، لا يعلم. لقد نجى من فضح أمرهِ بأعجوبة، حينما تجاوز – مرغمًا – ذلك الحديث الذي مسّها. وفي لحظة واحدة كان “حمزة” ينتقل بالحديث لمكانٍ آخر :
– بمناسبة التحاليل، لازم تعرف البت دي وصلت لأصل التحليل منين!.. ولو المعمل هو السبب أنا هخرب بيتهم.
كان يتأهب للمغادرة، فـ استوقفه “نضال” متسائلًا :
– إيه ده انت ماشي دلوقتي!!.
تعجّل في خطاه نحو الباب، وهو يجيبهُ بإيجاز :
– آه، هحاول أشوف ميان.
وترك المكتب تمامًا. أخرج “نضال” هاتفهِ، كتب رسالة نصية وأرسلها، ثم مسح سجلات الرسائل النصية بالكامل من الهاتف، قبل أن يُعيده في جيب بنطاله من جديد، ويخرج من هُنا.
**************************************
كان عالقًا بالزحام المروري مجددًا، حينما نزع نظارة الشمس عن وجهه، وقد آلمتهُ عظمة أنفهِ التي ما زالت متأثرة بإصابتها، رغم أن تلك المندوب والآثار قد زال أغلبها، إلا أن بعض العلامات ما زالت باقية. ألقى بالنظارة جانبه ونظر عبر مرآة السيارة على أنفهِ، فـ ضمر لها سوءًا مُضاعفًا، حين مرّ أمام عينه كيف قضمت أنفهِ وكأنها وجبة وليست أنف بشرية. تمتم بسبابٍ خافت، حتى وجد باب السيارة ينفتح، وهي تقتحم المقعد الأمامي المجاور له كي تستقر عليه، لحظات قصيرة جدًا من الصد@مة، قطعها صوتهِ وهو يبتسم بخبثٍ بيّن في وجهها :
– ده انتي مرقباني بقى!.
تجاهلت تعقيبهِ قائلة :
– أبقى أقفل أبواب العربية أحسن يطلع عليك حړامية.
زجرها بنظرةٍ مستحقرة وهو ينعتها بشكلٍ متواري :
– مفيش حد هيطلع أسوأ منك.
ضغط على زر إغلاق الأبواب، فـ أوصدها بالكامل، وحتى النوافذ الزجاجية كانت مغلقة، ثم ابتسم بسمةٍ ماكرة وهو يسألها :
– مين هيرحمك مني المرة دي؟.
استنكرت تفكيرهِ البدائي، وكأنه لم يتعامل معها قطّ، ولم يكتشف إنها دائمًا تضع الخطة البديلة :
– يـوه ياحمزة، مش معقول تكون لحد دلوقتي لسه مذاكرتش الدرس كويس.
تغضن جبينه وكأنه خمن مقصدها، بينما كانت تتابع هي :
– أنا مطلبتش غير إنك تعترف بإبنك وياخد حقوقه منك، مش ده القانون؟.
بدا گمن يسخر منها، وهو يؤكد على صحة ما قالته :
– طبعًا هعترف بيه وبيكي.
أطبقت قبضتهِ على فكها السُفلي، وقرّب وجهها منه بعنفٍ مؤلم، وهو يتابع حديثهِ من بين أسنانهِ :
– مش انتي كمان تبقي مراتي حبيبتي وليكي حقوق وواجبات!!.
ملامحها عن قرب، حفزت حواسه لتذكر مشهد لم يمر عليه كثير من الوقت، تلك العينان القاتمتان الواسعتان رآهما، وهذه الملامح ليست غريبة عليه بالمرة، كأنه
الأمس القريب، حدق فيها وهي تُجبر محياها على الإبتسام، متعمدة استثارة جنونهِ الذي بات على حافة الهاوية، حتى وصل عقلهِ للمكان والزمان المنشود في ذاكرتهِ…
(عودة بالوقت للسابق)
التفت “حمزة” برأسه ينظر، إلام تحدق هي بعيناها وكل هذا الذهول يعتريها، حتى صدمهُ رؤية تلك الغريبة، فـ فتح زجاج السيارة على الفور، ونظراتهِ المستهجنة تتردد على وجهها وهو يصيح فيها :
– أنتي عبيطة ولا بتستعبطي!!.
فـ سألتهُ بتبجحٍ، وعيناها ترنو إليه بنظراتٍ غريبة، حملت مغزى مُبهم :
– أديني أي حاجه يابيه.
رمقها شزرًا، وأشار لها بإحتقارٍ ليقول :
– غوري من قدامي أنتي عكرتي مزاجي، وإياكِ إيدك تلمس الأزاز مرة تانية.
صافرة إنفتاح الإشارة كانت بمثابة طوق النجاة لهم، فـ أغلق “حمزة” زجاج السيارة وشرع يقتاد سيارتهِ بعجلٍ بعدما فسد مزاجهِ كليًا، وعيناه تنظر إليها عبر المرآة الجانبية، حيث ظلت في محلها دون حراك، وبشكلٍ متصلب جعله يرتاب بشأنها، لكنه تجاهل التفكير بالأمر، بعدما تجاوز الأمر -حسب ظنهِ-. ”
(عودة للوقت الحالي)
اتسعت عيناه عن آخرها، وتخضبت بشرتهِ بشئٍ من الحُمرة الغاضبة، وهو يصيح في وجهها بغتةً :
– الإشــارة!!.. أنتي البت الشـحاتـة بتـاعت الإشــارة!.
نجحت في تخليص فكها الموجوع من يده، ودفعت ذراعهِ عنها وهي تضحك ملء شدقيها، استرخي ظهرها على المقعد وهي تنظر أمامها بثباتٍ مُهلك، وسخرت منه قائلة :
– هو ده اللي عرفت تفتكره !.
انفتحت الإشارة، وركضت السيارات من أمامه أخيرًا، فـ أدار سيارتهِ بتعجلٍ، ومضى يُسابق السيارات من حولهِ بسرعة مخيفة، وقد اهتاج جسده وأعصابهِ وعقله، وانتوى التخلص من جذور الأمر نهائيًا :
– دلوقتي هنفتكر كل حاجه.. مع بعض.
يتبع…رواية أغصان الزيتون الحلقة الثانية عشر
كان طريق (الأسكندرية الصحراوي) مثالي للغاية بالنسبة له، خاصةً وإنه يوم بـ وسط الأسبوع، ولا يزدحم الطريق بكثير من السيارات وحافلات الرحلات گأيام نهاية الأسبوع. انتهز “حمزة” الفرصة ومضى بقيادتهِ على الأرض كأنه يطير طيرًا، بينما هي قد أعدّت لتلك اللحظة منذ وقت، وارتدت حزام الأمان تحسُبًا لأي ظرف قد يطرأ. في الظروف العادية، وفي مثل تلك الحالات من القيادة الجنۏنية التي تقود صاحبها للھلاك – لا محالة -، تبقى أي أنثى في مكانها گمن يأكلها الرڠب ويتمكن منها الذعر تمكُنًا؛ لكنها كانت العكس تمامًا، هادئة، ساكنة، باردة للغاية. تنظر أمامها بصمتٍ مريب، وهو گالقدر الذي غلى ووصل لمرحلة الفوران. تجاوز تلك السيارة التي كانت تسبقهُ، واصطنع حالة من الهدوء ناقضت تمامًا جمر جوفهِ المحترق، همهم، ثم هتف بـ :
– همم، بلعتي لسانك الخمسة متر ولا إيه؟.
انبعجت شفتيها قبل أن تُجيبه :
– مستنياك تفتكر.
أطبق أصابعهِ على أصابع يدها اليُسرى، يعتصرهم بقوةٍ مؤلمًا بذلك عظامها، وقد أودع كُل غضبهِ في رغبته المُخيفة لإيلامها :
– ما إنتي اللي هتفكريني يابسبوسة.
خدشت بأظافرها أصابعهِ، حتى تنفك قبضته عنها، بدون أن تُصدر آهٍ واحدة تُشفي غليلهِ، ولمّا فشلت طريقتها ليحلّها، استخدمت أخرى أعنّف منها، وغرزت أظافرها في أصابعه دون الإكتفاء بمجرد خدوشٍ واهية، حتى خلصت يدها منه فعلًا؛ لكنها تخلصت بعد ألمٍ شديد حجبت ظهورهِ أمامه. نظر “حمزة” على أصابعه التي بالفعل تبين عليها آثار أظافرها الشرسة، ثم زجرها بطرفهِ قبل أن يلكم رأسها الصلب لكمةٍ تصادمت فيها عظام كفهِ بعظام رأسها :
– لو ضوافرك الحلوة دي جت على إيدي تاني هكسرلهالك خالص.