رواية أغصان الزيتون
– تتجوزني رسمي، ودلوقتي.
***************************************
لا يستطيع اللحاق بالمصائب، وكأن ما يحدث أتى دفعة واحدة ليمتص كُل طاقته، ويتركه عاجزًا مشلولًا. ضـ،ـرب “صلاح” كفًا بكف، غير مستوعب خطورة الفعل الذي قامت به زوجتهِ، وإنها استطاعت فعل ذلك بكل جبروت، وبدون أن يرفّ لها جفن. تجول “صلاح” من حولها گالمجنون، وصاح فيها بـ :
– أكيد اتجننتي؟؟.. عايزة تقتليها وهي هنا!.. جوا بيتنا!! طب والجيش بتاعها اللي برا كنتي هتعملي ايه معاه!.. إزاي اتصرفتي بالغبـاء ده إزاي ؟؟.
كانت تفرك كفيها بتوترٍ، وكأنها لم تشعر ببشاعة فعلتها قطّ سوى الآن، وبعد أن تخيلت ما الذي قد يحدث، بعدما أُصيبت الخادمة وليست “سُلاف”. لم تحاول تبرير فعلتها، بل إنها وقفت خلفها أيضًا :
– أهي فلتت مني المرة دي!.
اتسعت عينا “صلاح” بشدوهٍ غير مصدق :
– هو انتي إيـه؟؟.. قـتالة قُتلة وانا معرفش!.
انتفضت “أسما” من جلستها، حدجتهُ بإستنكارٍ شديد، وهو يُعيبها بما فــيه، وضړبت بحديثها وجهه :
– اللي بيته من إزاز ميحدفش الناس بالطوب ياصلاح !.. قول الكلام ده لحد تاني مش أنا.
فـ نفى عن نفسه إتهام خطير گهذا :
– لأ ده انتي دماغك راحت منك خالص، أنا عمر إيدي ما اتلوثت بدمّ حد، وإياكي أسمع منك الكلام ده تاني.
فـ استخفت بمحاولتهِ السخيفة، التي حاول من خلالها تبرئة نفسهِ من ذنوبٍ علقت فيه گالوصمة :
– آه صح، أنت عمر إيدك ما اتلوثت بډم حد.. أنت يدوب بتكون الطرف اللي بيحرض بس!.. ضحكتني ياصلاح بجد!.
واحتد أسلوبها في غمضة عين، وهي تصيح فيه قائلة :
– أسمع ياصــلاح، لو مخلصتنيش من المصېبة اللي جت قعدت هنا في بيتي أنا مش هسكت، وهخلص منها بطريقتي.
التفتت نظرات كلاهما في آنٍ واحد، حينما وصل لمسامعهم صوت حركة بالخارج، فـ أسرع “صلاح” وهي من خلفه، ليرى من الذي أتى من الخارج. كانت “سُلاف” تحمل رضيعها، ومن خلفها “عِبيد” حاملًا عربة الطفل. رمقتها “أسما” بنظراتٍ مغلولة، حينما زجرتها “سُلاف” بنظرةٍ متوعدة حامية، أرسلت عبرها الكثير من التهديدات، ثم تحركت نحو الدرج بصمتٍ غامض كي تصعدهُ، حينما كان “حمزة” يعبر الباب بخُطى وئيدة، گالمهزوم الذي يحمل الدنيا على أكتافهِ، وفي مشهدٍ لم يعتاد أن يكون عليه. سارع” صلاح” نحوه، وسأله بفضول مرتبك :
– حصل إيه ياحمزة ؟.. الست دي جرالها حاجه!.
سدد “حمزة” نظراتٍ ممتعضة لأمهِ، وقد اړتعش فكهِ قبل أن يصرخ بـ اهتياجٍ منفعل :
– اللي حصل حصلي أنا.. أنا اللي دفعت تمن غلطها.
لم تقوَ “أسما” على هضم كلامهِ، وقابلت هياجهِ بعصبيةٍ شديدة :
– الغلط كان غلطك من الأول ياحضرت المحامي المحترم.. بسبب نزواتك إحنا هنا دلوقتي.
تخوف “صلاح” من أن يكون “حمزة” قد تورطّ في أمرٍ ما، فـ دقق عيناه بالنظر على وجه ولدهِ المُحمر، وسأله متوجسًا مرتعبًا :
– عملت إيه ياحمزة ؟.
ضحك “حمزة” من زاوية فمهِ مستخفًا، ووزع نظراتهِ الحانقة على أبويهِ وهو يردف بـ :
– إبنك أتجوز رسمي ، وبكرة مصر كلها هتعرف إن دي بقت حـرم حـمـزة القُـرشـي شـرعـًا وقانـونـًا…
يتبع…رواية أغصان الزيتون الحلقة السابعة عشر
“حقيقتي ليست ما أُبديهِ لكَ؛ فـ أنا في الشرّ أسوأ مما تظنون.”
______________________________________
نظرت عبر النافذة، تتأمل المحيط المشغول برجالها، عتادها الذي أتت بهِ إلى هُنا ووثقت فيه، وإذ بها تتلقى ضربةٍ غير متوقعة في يومها الأول، ولم يكن عتادها كافيًا لصدّ الضـ،ـربة عنها، بل إنها مشيئة القدر التي أنجتها. طردت “سُلاف” بقايا التپغ العالق في رئتيها، وغمغمت بتوعدٍ غير مبشر :
– ماشي ياأسما، أنتي مكنتيش في الحساب خالص، بس خلاص بقيتي ضمنهُ.
سحبت نفس عميق من السيچارة لأحشائها، ونفختهُ في الهواء دفعة واحدة، وهي تحس داخلها كأنه نارًا لا تنطفئ. تيقّظت آذانها لصوت بکاء الصغير الذي لم تنتبه له، وقد إشتد أكثر وأكثر، فـ التفتت لتراه يبكي بحُرقةٍ وهي غير شاعرة، دخلت مسرعة غير منتبهة للسيجارة الموجودة بين أصابعها، وحينما انتبهت نظرت حولها گالتائهة التي تبحث عن شئ ما؛ لكنها لم تجده في الأخير، فـ اضطرت أن تلقيها بالركن البعيد ودعستها بحذائها، وعادت نحوه بعُجالةٍ وهي تعتذر عن شتاتها :
– حقك عليا مأخدتش بالي!.. مكنش لازم أتشغل وأدخن وانت في الأوضة، آسـفه.
هزتهُ بخفةٍ وهي تضمهُ لصدرها، فلم يهدأ، ظلت محاولتها قيد الإستمرار، ساعية لأن تتغلب على تعكّر صفوهِ وراحتهِ. ذمّت على شفتيها بضيقٍ لأجلهِ، ورغم ذلك لم تقنُط أبدًا من مداعبتهُ ومحاولات تهدئتهِ، حتى إنها قلدت الأصوات وتعمدت تمثيل مشاهد كوميدية بوجهها لعلّ وجههِ يضحك قليلًا، ولم تخيب محاولتها تلك المرة، بل نجحت بإجتياز، مما رسخ تلك الأفكار في ذهنها لتقوم بتكرارها في الأيام القادمة، وگتطوير من نفسها لأجل صغيرها.
—على جانب آخر—