رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز


– اللي حصل ده أخطر مما توقعنا ياهانم، الست دي مينفعش تخرج من عملتها سليمة، وإلا مش هتقدري تعيشي في البيت ده.
طقطقت “سُلاف” أصابعها بتوترٍ، ونظرت حيال “حمزة” الواقف بنهاية الرواق، ثم أشاحت بوجهها عنه وهي تردف بـ :
– أنا هديها درس عمرها ما تنساه، بس أطمن على الست اللي هتروح بسببي.
مازالت تلوم نفسها، معتبرة إنها السبب في ذلك، بعدما رفضت تناول الطعام و…..
(عودة بالوقت للسابق)
نهضت “سُلاف” عن الأريكة، وأمرتها بالجلوس مكانها وهي تقول :
– أسمعي كلامي ياأم علي، لو مكلتيش دلوقتي مش هتعرفي تاكلي بقيت اليوم، كلي أنتي وأنا هاكل بعد ما آخد شاور.. بس خلي بالك من زين.

– من عنيا.
سحبت “سُلاف” منشفة كبيرة، ودلفت لدورة المياة كي تستحم، بينما بدأت “أم علي” بتناول الطعام وقد تضورت جوعًا. لم تشعر بأي غرابة، ولم يترك السُم القاتل أي مذاق مُثير للشُبهات بالطعام، مما دفعها لإنهاء بعض الأطعمة من فرط لذة مذاقها؛ لكن في منتصف الطعام، ومع شعورها ببعض الوخزات تضرب منتصف معدتها، توقفت عن الأكل، وتنفست بصعوبة وهي تهتف بـ :
– هو أنا تقلت في الأكل ولا إيه!.
زادت حدة الوخزات، گالتي تتلقى طعنات قاسية من سكېن نصلهِ بارد. تآوهت بتألمٍ حاولت كتمانهِ بالبداية، لكنها لم تتحمل لأكثر من ذلك، وخرجت منها صـ،ـرخة مكلومة، حاولت أن تقف على ساقيها الرخوتين؛ فـ سقطت على الأرض لتتلوّى. خرجت “سُلاف” على وجه السُرعة أثر صوتها، ولم تكن قد نزعت كل ثيابها بعد. رأتها هكذا گمن تلفظ أنفاسها الأخيرة، فـ هرعت نحوها وقد تملك الرڠب   بواطنها، وصاحت متسائلة بفزعٍ :
– فيه إيه ياأم علي؟؟.. حصلك إيه ؟.
لم تستطع حتى فتح فمها، من شدة الوجع المميت الذي تعانيه، فـ فطنت “سُلاف” على الفور، وهي تراها تمسك بمعدتها محدقة بها :
– الأكل ؟؟.. الأكل فيه حاجه؟؟
صړخت “أم علي” وقد فاق الألم قدرتها على كتمانهِ أو احتماله :
– آآآآآآه!!!.
– يانهار أســــود!.
تلجلجت “سُلاف” وهي تتحرك بهيستريا، لا تدري ما الذي عليها فعلهِ، وصوت بکاء الصغير وصراخهِ يُربكها أكثر وأكثر. لا تعلم كيف هداها عقلها المرتبك المشتت لذلك؛ ولكنها تذكرت عبوة الحليب كامل الڈم . الموجودة في حقيبتها، والتي ابتاعتها لنفسها في الأساس. أسرعت بجلبها، وسرعان ما عادت إليها وهي تردف بخوفٍ أخذ من عمرها عمرًا :
– أشربي بسرعة ياأم علي، بسرعة خلي اللبن يوقف مفعول السمھ لحد ما أطلب الإسعاف.. بسرعة.
سكبت الحليب في فمها، فـ ابتلعت “أن علي” بعضًا منه والبعض الآخر تسرب من جانبي شفتيها، كررت “سُلاف” ما فعلته حتى ضمنت إنتا شربت كمية لا بأس بها، قبل أن تبدأ “أم علي” بفقدان وعيها، وقد بهتت بشرتها وتجمدت أطرافها. ركضت “سُلاف” نحو النافذة، فتحتها وصړخت منادية :
– عِــــــــبيــد..!!!
(عودة للوقت الحالي)
نفضت “سُلاف” رأسها، غير قادرة على مجرد التخيل، كانت حياتها ستضيع لولا لُطف من الله، إذا كان قد تمّ ما خططت له “أسـما”، لـ كانت “سُلاف” الآن بمكانها، وربما كانت ضمن عداد المۏتى!. من يدري!.


أظهرت “سُلاف” قوة تُنافض اهتزاز دواخلها واضطراباتها، وهتفت بـ :
– البادي أظلم، وهي اللي ابتدت ودخلت لعبة مش بتاعتها.
خرجت الطبيبة من الداخل، فـ تقدمت “سُلاف” منها وهي تسأل :
– هي عامله إيه؟.
وزعت الطبيبة نظراتها المتشككة على الجميع، حتى “حمزة” الواقف بعيدًا عنهم، ثم أردفت بـ :
– عملنا غسيل معدة وهي دلوقتي أحسن، لكن اللي حصل ده فيه شُبهه جنائية وأنا مضطرة أبلغ.
أومأت “سُلاف” رأسها مؤيدة، حينما التفتت عيناها لتنظر نحو “حمزة” وهي تهتف بنبرة مرتفعة، متعمدة وصول الحديث إليه :
– ياريت حضرتك تبلغي، كده كده هنعمل بلاغ بالواقعة.
نفخ “حمزة” بنفاذ صبر، وأحاد وجهه عنها وهو يغمغم بسخطٍ :
– وبعدين ياراغب!.. أمي غلطت واتصرفت من دماغها.. وخلت رقبتنا في أيد الو×× ـية دي!.

لكزهُ “راغب” لكي يتحرك نحوهم مسرعًا، وكي ينقذ الموقف قبل أن يتأزم أكثر من ذلك :
– طب روح، روح هناك بسرعة وأعمل أي حاجه، أحسن نلاقي نفسنا لابسين قضية.
كزّ “حمزة” على أسنانهِ بغيظٍ شديد، قبل أن يتوجه نحوها لحلّ الأمر، قبيل أن تحقق وعيدها. لم يحبذ أبدًا إظهار اللين أو الهدوء معها، وإنما كان حازمًا عنيدًا وهو يردف بـ :
– عدي الليلة ومتخليناش نقف قصاد بعض، وأنا هبقى أراضي الخدامة بتاعتك.
كأنه الهواء، لفحة باردة مرّت من أمامها ولم تراها، لم تُجب أو ترد أو تعيره اهتمامًا، فـ استشاط وهو يتحرك من مكانه ليكون قبالتها، وهتف بصياحٍ :
– أنا بـكـلمك!.
كان وجهها جامدًا، لم يحمل أيًا من تعابير اللين وهي ترد بـ :
– مفيش كلام يتقال، كل اللي عمل حاجه هيدفع تمنها، والتمن هيبقى غالي أوي.
فكر في إغرائها بشكلٍ مباشر، علها تكون طريقة مثالية ترتضيها، حينئذٍ لم تخلو عيناه من نظرات الإستحقار، وهو يعرض عليها عرضهِ المُغري :
– صح، كل حاجه وليها تمن، شوفي تمن سكوتك كام وأنا هدفعه.
تجذّر الحقد في عيناها، وهي ترمقهُ بغضبٍ مكتوم :
– تمن إيه!!.. لو كانت حياتي أنا اللي راحت كنت هتدفع تمنها لمين!.
تلوت شفتيه مستخفًا، وهو يرميها بنظرةٍ مُستنكرة :
– للأسف مراحتش، خلينا نتكلم عن الواقع.
برقت عيناها بلمعانٍ ماكر، وقد حطّ على عقلها ثمن مناسب للغاية، يكفيها – مؤقتًا – لكي لا تُعاقب “أسما” بذلك العِقاب الرادع، وألا ترمي بها بين جدران المحبس العَفن. أحس “حمزة” بذلك، وكأنه رأى في وميض عينها إنها تخطط له شيئًا ثقيلًا عتيًا. احتفظ لنفسهِ بذلك الشعور المريب، وسألها بهدوءٍ ناقض شتاتهِ وعصبيتهِ :
– ها؟. فكرتي يكفيكي كام؟.
قطعت تلك الخطوة الفاصلة بينهم، وبقت قريبة منه لحدٍ كبير، وهي تقول بثباتٍ وقوة شديدين :

تم نسخ الرابط