رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز


لم يرد عليه أيًا منهم، فـ نادى بصوتهِ المرتفع :
– يا ســعيـد!.
خرج الحارس الخاص بهم من بين ذلك الحشد، ليرد عليه :
– أيوة ياأستاذ حمزة، أنا أهو.
وحضر بين يديه في لحظة واحدة :
– مين دول وواقفين بيعملوا إيه هنا ؟.
فأشار “سعيد” بيده نحو الداخل وهو يجيب :
– دول تبع الست اللي جوا!.
ناوله “حمزة” المفتاح ودفعه من أمامه بإنفعالٍ :
– أركن الزفتة دي لحد ما أشوف في إيه؟؟
ودخل.. دخل متيقنًا مما سيراه، طالما أن الأمر به سيدة إذًا هي، ليس سواها أحد يجرؤ على ذلك. كان الباب مواربًا، حينما دفعه “حمزة” ودخل، لكنه وجد البهو خاويًا، فـ مشى تلقائيًا لليمين نحو غرفة الإستقبال، ليجد ظل أبيه قد تبين أمام عينيه، فـ دفع الباب واقتحم الغرفة، ليجد في وجهه صړاخ والدته المتسائلة بذهول :
– فهمني حـالًا إيه اللي بيحـصل وإيـه اللي بتقوله البت دي ياحمزة؟؟.
التفتت رأسه ليرى “سُلاف” ، تجلس بـ تباهي مريب ، وبين يديها ذلك الرضيع الذي أُثبت مؤخرًا بنوّتهِ لـ “حمزة” ، وقبل أن ينطق كلمة واحدة كانت هي تُبادر قائلة :
– أنا بقول لطنط إنك خلاص اعترفت بينا وهنعيش كلنا مع بعض على طول، لكن هي مش مصدقة!.. هو انت مقولتلهاش اللي اتفقنا عليه الصبح ولا إيـه يا بيبي ؟

فغر فاهه، وبرقت عيناه بعدما خيّمت سحابة قاتمة على استيعابه بالكامل، حتى مراكز الإدراك قد توقفت للحظة عن العمل، يحاول فهم ما الذي يحدث من حوله بالضبط، وكيف تجري الأمور بهذا التطور السريع والخارج عن إرادتهِ، وكيف يفشل في كل مرة عن ردعها وإيقافها في مكانٍ، وكيف تسبق خُطاه وتفكيره وتخطيطه هكذا؟!.. بقى محدقًا فيها، متجمدًا گالثلج ، وهو يتذكر جملتها بهذا الصباح :- ( هنتقابل تاني قريب أوي.. أقرب مما تتصور).
إذًا قد صدقت، وتقابلت معه بأقرب مما يتـصـور…

يتبع…رواية أغصان الزيتون الحلقة الثالثة عشر
“گشرارةٍ تولّدت من العدم؛ لكنها باتت سعيرًا مُظلمِ.”
_____________________________________
لحظات طويلة مملة، وهو ينظر نحو الردهه المؤدية لغرفتها، كأنه يترقب خروجها من هُناك گالمعتاد؛ لكنها لم تعد هُنا حتى تخرج. حنى “نضال” بصره ونظر حيال “مصطفى” الذي لم يقل حالهِ عنه، كان مهمومًا قلقًا، وهو يعلم إنها هناك الآن، تواجه أولئك الذين أقسم أن يُذيقهم من النار كؤوسًا. شعر به “نضال”، إنه ليس على ما يرام، فـ عاتبهُ بغير قصدٍ :
– مكنش المفروض توافق ياعم مصطفى!.
تنهد “مصطفى” بقنوط، غير قادر على الجِدال والمناقشة، أو حتى تفسير نفسه له :
– أنت عارف سُلاف أكتر مني، أنتوا متربيين سوا يانضال، سُلاف عمرها ما كانت هترجع خطوة واحدة بعد اللي وصلنا له.. إحنا عيشنا سنين يابني نخطط للحظة دي، الوصول هنا مكنش سهل أبدًا.
هُنا.. المكان الوحيد الذي يستطيع فيه “نضال” نزع ثوبه المزيف، وترك روحهِ الحقيقية تنبعث من بواطنهِ، غير مجبر على اعتناق الهدوء والثبات الكاذبين. حرر

 عنقه من رابطة العنق، وبدأ جسده يُصدر تشنجات منفعلة جراء غضبه المكتوم :
– أنا مش مرتاح لحمزة ياعم مصطفى، أنت مشوفتش عينه وهو بيتكلم الصبح كان كلها شر إزاي!.. سُلاف مهما كانت ذكية حمزة أقوى منها، حمزة غبي ولما بيتغابى بجد بيبقى إبن آ ××××××.
كان “مصطفى” واثقًا، كأن حبال الأمور كلها بين أصابعه گالدُمى، يُراقصهم كما يحلو له :
– وسط كل رجالتنا اللي حاوطوا البيت مش هيقدر يلمس شعره منها، متنساش إن عِبيد كمان هناك ومش هيفارقها لحظة.
– ولــو غــدر بيـها!.

ضغط “مصطفى” على مسند كرسيهِ المتحرك، وتراقصت لمعة عيناه الحاقدة، وهو يتوعدهم بمصيرٍ أسود ينتظرهم :
– ساعتها هعمل اللي أقسمت من سنين إني مش هعمله، هحرقهم كلهم، هولع فيهم وهما صاحيين، زي ما حرقوني وحرقوا إسماعيل ومراته وحرقـوا أبـوك وكتير زيهم.
كأنه بذلك أراد أن يُذكرهُ، بإنتقامهِ الذي سعى هو أيضًا إليه. تحجرت عينا “نضال” مع ذكر سيرة والدهِ، فـ ضغط “مصطفى” أكثر وأكثر عليه، علّه يُصرف عقله عن فكرة التراجع :
– أبوك اللي كان كل ذنبه إنه أمين مخازن عيلة زيـّان!.. وراح هو كمان غ،ـدر زي اللي راحوا.
ازدرد “نضال” ريقهِ وهو يبتعد خطوتين للخلف :
– خلاص ياعم مصطفى، أنا مش ناسي عشان تفكرني.
هدأ “مصطفى” قليلًا، وخفت صوتهِ الصادح وهو يردف بـ :
– أنا عارف غلاوة سُلاف عندك، ده اتولدت على إيدك وانت عندك ١٣ سنة.. لكن أوعى تفكر إني ممكن أضحي ببنت أخويا، دي الحاجه الوحيدة اللي فضلت من إسماعيل الله يرحمه وأنا مش هخون الأمانة أبدًا.. لكن خلينا نحكم عقولنا ونبقى هاديين، اللي جاي أهم بكتير من كل اللي راح يابني.
أومأ “نضال” متفهمًا، وسحب سُترته وهو يقول :
– أنا لازم أكون قريب من حمزة الفترة دي، على الأقل تكون عيني عليها.
– أبقى كلمني يابني.
سار “نضال” نحو باب الخروج من الغرفة وهو يردف بـ :
– حاضر.
نظر “مصطفى” عبر النافذة المغلقة، حيثُ قُرص القمر المكتمل في كَبِد السماء، وأردف متمنيًا بخفوتٍ :
– جه يوم رد الحق يا صـلاح.. يوم ردّ المظالم.
**************************************
جاهد لكي ينتشلها من بينهم، كي يختلي بها بعدما فضحت أمرهِ أمام “أسما” تحديدًا، فـ انغرزت يداه في رسغها وكاد يجتذبها معه للخارج :

تم نسخ الرابط