رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز

 من أجل إعداد (رضاعة) الصغير “زين”. أغلفتها جيدًا ثم وضعتها بصحن مملوء بالماء البارد، حتى تهدأ سخونتها قليلًا فـ تتمكن من إرضاعهِ. التفتت تنظر إليه وهو جالسًا بعربتهِ، يحاول الوصول لتلك اللعبة المُعلقة، تبسمت “سُلاف” وهي تُقبل عليه، وداعبتهُ بلطفٍ حاني :
– قلب مامي هيتم أربع شهور خلاص، هه!.
حنت رأسها بإتجاهه، قبّلت وجنته وهي تردف بـ :
– لازم نطلع شهادة ميلاد عشان نروح نطعم بقى، مش كده.
أفتر ثغرها بإبتسامة باهتة وهي تقول :
– بابي هيطلعهالك في دقيقتين متقلقش، دي أسهل حاجه بالنسباله.

تناولت (الرضاعة) وجففتها، ثم جرّت عربة “زين” لخارج المطبخ :
– يلا ياروحي.
خرجت من المطبخ وانتقلت به نحو الدرج، حينئذٍ كانت “أسما” تتفنن في مراقبتها، تطلعت إليها وهي تصعد الدرج ورضاعة الصغير بين يدها، فـ تجهم وجهها وقد ساورتها بعض الشكوك، حتى وصل الأمر لديها بالشك في حقيقة انتساب الرضيع لها، قد تكون ليست أمه الحقيقية، وإلا لماذا لا تُرضعه رضاعة طبيعية؟.. ثمة شائبة في الأمر أحست بها، فلم تدخر وسعها لنبش الأمر وكشف حقيقته. بحثت في هاتفها الشخصي عن الشخص المناسب الذي سيفيدها في أمرٍ گهذا، ثم اتصلت به على الفور :
– أيوة يادكتور مؤنس، ياريت تجيلي محتاجة منك حاجه ضروري جدًا، لأ مينفعش ، لازم تيجي بنفسك.
**************************************
بعد قضاء ساعات طويلة بالخارج، عاد منزله من أجل تبديل ثيابه ثم الخروج مجددًا، علهُ يستطيع الليلة تخطّي حالتهِ النفسية المتقلبة. دلف “حمزة” غرفته، أغلق الباب وقذف بالسُترة على الفراش، ثم دخل لإنتقاء ملابس أخرى نظيفة. فتح الإضاءة، فـ حلّت الصد@مة المفزوعة على ملامحه، خطف نظرة شاملة للمكان من حوله، وقد عمّت الفوضى كل أركانهِ. جميع ملابسهِ – بلا استثناء – مقصوصة لأشلاء، منثورة في كل مكان، سُتراتهِ، قمصانه، رابطات العُنق، بناطيلهِ، وحتى ملابسه الداخلية. كل شئ تحول لقطڠ مقصوصة وقد افترشت الأرض بكل الملابس. فرك وجهه مُصابًا بالشلل في التفكير، حتى لمع أمام عينياه (مقص الأظافر) الذي استخدمه صباحًا لعِقابها، موضوع أعلى الملابس كأشارة واضحة وضوح الشمس، گمن تقول له :- (بلى، أنا من فـعلت.)

يتبع…رواية أغصان الزيتون الحلقة العشرون
الفصل العشرون :-
“الخروج من البئر أصعب من الدخول إليه.”
___________________________________
ذلك الردّ السريع و – الفوري – منها على فعلهِ معها بالصباح ضاعف يقينهِ بإنها ليست لقمة سائغة – كما قالت له -، وإن تطلب الأمر ستهدم الدنيا فوق رأسه ولن تنهار أو تستسلم. ظلّ مشدوهًا متخشبًا في مكانهِ، لا يشعر إلا بالقهر على تلك الأشياء التي يُحبها وقد ضاعت هباءًا، جفّ حلقهِ وقد اعتاد صدرهِ على مشاعر الڠيظ المُشتعلة في بواطنهِ، غضّ بصرهِ عن هذا المشهد المؤذي، وأطبق جفونهِ يعتصرها وهو يلتفت كي يبتعد عن هنا، غادر غرفتهِ قاصدًا غرفتها، وكأنه يجرّ من خلفهِ رائحة الإحتراق، وقبل أن يمدّ يده لفتح بابها، توقف لوهله، فكر سريعًا، هي بالفعل تريد ذلك، تريد رؤية

 جنونهِ وإنفعاله وغضبهِ، كأنه جُزء من خطتها للإنتقام منه أو ما شابه، تلك الأشياء تجعلها تحس بزهوة الإنتصار عليه؛ لكنه لن يرضخ لتهورهِ تلك المرة، لن يعطيها ما تريد.
استدار عائدًا لغرفته، وهو يستخدم هاتفه المحمول للإتصال، صفق الباب من خلفه وأردف بـ :
– أيوة ياراغب ، أنا هعمل طلبية دلوقتي من محل الملابس اللي بجيب منه على طول، روح دلوقتي أستلم الطلبية عقبال ما يجهزوها.. أسمع كلامي وأنا هبقى أفهمك بعدين.
أغلق المكالمة وبدأ يستعد لأخرى وهو يهمس بخفوت :
– أما أشوف هتعملي إيه تاني!.
أجاب الطرف الآخر فـ أردف “حمزة” بـ :
– أيوة يا غالي، أنا عايز شوية حاجات تجهزهالي حالًا ، كله.. بدل قمصان جرافتات و بو…..
قطڠ صوتهِ ما تخيل مشهد ملابسه الممژقة، وبصعوبة كبح غيظه ليقول :
– وداخلي كمان ياغالي، راغب هيعدي عليك حضرله فاتورة وابعت معاه الحاجه دي.. تمام.
***************************************

بعد طلوع الشمس، ومنذ الصباح الباكر، كان موعد لقائها مع أستاذها الأول الذي درسّها أصول القانون، كانت تتوق لمعرفة رأيه في القضية، وأن يُصدّق بنفسهِ على الموافقة كي تترافع في القضية بنفسها. دقق “عناني” التفاصيل التي دوّنتها “سُلاف” بخصوص القضية، ثم ترك المذكرة وهو يُشيد بمجهودها للحصول على ملف سري گهذا :
– براڤو يا سُلاف، إنتي عارفه إني بنحاز للقضايا اللي بنجيب فيها حق الست اللي اتظلمت بجد.
نزع نظارتهِ الطبية وتركها على الطاولة وهو يرمقها بعتابٍ غير راضي :
– بس مكنتش أحب ترجعي عن موقفك بخصوص القضية!. إبنك حقه يعيش حياة طبيعية ومعتقدش حمزة هيديكي ده بسهولة.
رسمت الوداعة على ثغرها بإبتسامة طفيفة، ثم هتفت بـ :
– عارفه إن موضوعي صعب وهيمشي بصعوبة، لكن أنا فضلت أجرب معاه السِلم الأول.. لو ملقيتش نتيجة مش هتردد ألجأ ليك يامستر عناني.
أومأ “عناني” رأسهِ بتفهمٍ، وشبك أصابعه وهو يتحدث بصلب القضية :
– طيب، إسمعيني كويس، الست دي هنحتاج منها توكيل ليكي ، واللي بعد كده سهل، أنا هتابع معاكي أول بأول، والقضية اللي رفضها حمزة هنكسبها بعون الله ونحولها لقضية رأي عام.
لمحته “سُلاف” عن بُعد، وإيماءاتهِ الموحية تُشير لوجود أمرٍ ما، فـ أحنت عيناها عنه أولًا، ثم سحبت حقيبتها وهي تردف بـ :
– أنا لازم أمشي لأني سيبت الولد لوحده مع المُربية بتاعته.

تم نسخ الرابط