رواية أغصان الزيتون
تركت الباب مفتوحًا، فـ عاد “صلاح” ينظر للمرآة وهو يغمغم بخفوتٍ :
– مع ستين… سـلامة.
*************************************
جلست على مكتبها وقد غمر العبوس وجهها، ونظرت حولها منزعجة وهي تردد :
– بس انا كنت عايزاه في حاجه مهمة جدًا!.
تناولت “حنان” – زميلتها في المكتب – قلم حبري، وبدأت تكتب وهي تقول :
– كنتي اتصلتي بيا قبل ما تيجي وكنت هقولك إن مستر عناني نزل بنفسه يقضي مشوار وممكن ميرجعش المكتب.
طرقت “سُلاف” على سطح المكتب بأظافرها، وفكرت مليًا في وسيلة للتواصل معه، عوضًا عن مقابلته الليلة :
– خلاص ممكن أشوفه برا.. مفيش حل تاني.
تعجبت “حنان” من إصرار “سُلاف” على لقاء السيد “عناني” الآن وبهذا التعنت، وسألتها بفضول عن تلك الحالة المُريبة التي بدت عليها :
– مالك ياسُلاف، أنتي بخير؟.
نهضت “سُلاف” عن مكانها وهي تجيب بإختصار مقصود :
– ولا حاجه، هبقى اكلمك بعدين.. باي.
وخرجت من المكتب إلى ساحة الإستقبال بالمكتب، فـ سمعت صوتًا مألوفًا على مسامعها، خفق قلبها، تفشّى التوتر في معالم وجهها وحواسها، فـ أشرأبت برأسها تنظر بإتجاه الصوت، ليصدق حدسها، إنه هو، “حمزة صلاح القُرشي” يقف بنفسه بالخارج، ويتحدث إلى عامل البوفيه الخاص بمكتب “عناني الحكيم”. انتفض قلبها بذعرٍ، وتملكت الرهبة حواسها أجمع، الآن ليس وقت اللقاء، لم تحن اللحظة الحاسمة لتواجهه بعد، لقاءهم الآن سَيُفسد كل ما خططت له ، بل إن كل مجهودها المُضني سيكون قد ذهب مع الريح. تراجعت خطوات للخلف، والتفتت لتسير بتؤدة، متعمدة ألا يُحدث حذائها ذا الكعب العالي صوتًا مثيرًا للإنتباه؛ لكن صوته القريب منها للغاية جمدها في مكانها، تصلبت گقطعة من الثلج، وهي تسمع صوته بحديثٍ مُصوّب إليها :
– لو سمحتي ياأسـتاذة…….
يتبع…
رواية أغصان الزيتون الحلقة الخامسة
“سيستحق كُل مُستحقٍ ما يستحقه.”
هل تجيبهُ؟.. أم تتجاهله ؟.. أم تركض فرارًا من أمامه؟. لا تدري ما الذي عليها فعلهِ بالتحديد، للتخلص من هذا المأزق اللعين، الذي حلّ عليها گالكارثة. كان بينها وبين مواجهته شعرة واحدة، شعرة وتنكشف بشكلها أمامه، لولا صديقتها التي كانت گالمنقذ بالنسبة لها، واستمعت لصوتها من الخلف وهي تردف بـ :
– أهلًا يافندم، أساعدك إزاي ؟.
التفت إليها “حمزة” وسأل بجمودٍ :
– عايز أقابل أستاذ عناني، قوليله حمزة القرشي.
قد تعرفت عليه “حنان” منذ الوهله الأولى، وبدون الحاجة لأن يعرّف نفسه، فـ ابتسمت إليه بتملقٍ وهي تشير إليه ليتفضل في مكتبها :
– للأسف مش موجود، أتفضل ارتاح وأنا هتواصل معاه حالًا.
كان جافًا حادًا في ردّه عليها :
– مش عايز أتفضل، بلغيه إني سألت عليه وهبقى آجي مرة تانية.
التفتت رأسه نحو تلك الفتاة التي لم يراها، فلم يجد سوى الخواء، كأنها اختفت تمامًا دون أن تترك أثرًا، لم يدعو الأمر إلى ارتيابه – حاليًا – ، ومضى يشق طريقه للمغادرة من هنا، بعدما لم يؤتي ذلك بنتيجةٍ ترضيه.
—على جانب آخر—
لا تعلم كيف أتتها القوة لتفر من هناك، وفي لمح البصر، بدون أن يشعر بها أحدًا أو تترك علامة استفهام من خلفها. طارت “سُلاف” بسيارتها طيرًا، للتخلص من تواجدها بهذا المحيط بينما هو يتواجد به، وفي أحد الشوارع الهادئة توقفت قبل أن ترتكب حاډث مُريع، بعد أن وصلت إلى تلك النوبة التي تنتابها مجددًا. وضعت يدها موضع قلبها، وهي تُجاهد جهادًا قاسيًا للتغلب على مُتلازمة صعوبة التنفس وانقباضة الصدر تلك. لحظات طويلة للغاية، قضتها للتغلب على تلك الحالة الوهنة التي تبغضها، حتى بدأت تستعيد حالتها الطبيعية رويدًا رويدًا. لاحظت إضاءة هاتفها الذي تركته على وضعية – صامت – منذ وقت، فـ تناولته وأجابت عليه :
– ألو.. كارثة، حمزة جه مكتب عناني.. لأ لأ مشافنيش.
تنهدت بشئ من الأريحية، ثم تابعت :
– ربنا أنقذني بمعجزة.. لأ خليك عندك، أنا اللي جيالك.. سلام.
تركت الهاتف جانبًا، وبدأت قيادة السيارة من جديد، وعقلها المضطرب يسعى إلى لملمة شتاتهِ. ماذا لو إنه رآها!.. هل كان سيتعرف عليها؟ ، هل كانت ستقوده ذاكرتهُ لتلك الليلة؟.. هل كان عقله سيدرك إنه يعرفها من مكانٍ ما؟. يبدو أن القدر قد أنقذها من كارثة كانت سـ تُبدد كل ما سعت إليه، وكأنه يمنحها الفرصة الأخيرة، كي تخطو تلك الخطوة المصيرية، التي ستغير كل شئ.