رواية أغصان الزيتون
تزوج بهن بذكرياتهن ، كل ما يخصهن ، لكن عقلهِ أبى أن يتذكر “سُلاف” نهائيًا، كأن تلك الليلة مُسحت من ذاكرتهِ بتاتًا. انتشلهُ صوتٍ ما بالخارج، فـ تشتت ذهنهِ ونهض من مكانه متعجلًا، فتح الباب ليرى “راغب” أمامه، فـ سأله مرتابًا :
– في إيه ياراغب؟؟.
كان وجههِ حاملًا حُمرة غاضبة، وهو يصيح فيه :
– إنت نايم في العسل ولا إيه؟؟.. تليفوناتك مقفولة ومش عارف أوصلك.. مشوفتش الفضيحة اللي حصلت؟
قطب “حمزة” جبينه، ودلف للداخل مسرعًا يبحث عن هاتفه :
– فضيحة إيه؟!.
– فيسبوك كله ملهوش سيرة غير حمزة القرشي اللي استغل نفوذه ونفوذ أبوه وضحك على بنت ورماها هي وابنها في الشارع!!.. مصر كلها بتتكلم عنك وانت بتقولي فضيحة إيه؟؟.
– نهار أبوها مش فايت!!
تجهم وجه “حمزة” صائحًا بتلك العبارة الممتعضة، وقد انغمست تعابيرهِ بالصد@مة، فتح هاتفه ومنه تفقد مواقع التواصل الإجتماعي، لتظهر أمامه صور من حفل زفافه، والذي تحول لحدث كار1ثي بكل المقاييس، وتحولت آراء الجميع لمساندة “سُلاف” ضده، كونها إحدى النساء اللاتي يعانينّ من جحود أشباه الرجال وخداعهم، وبقى هو الذئب البشري الذي انتهك قُدسية فتاة سلمتّهُ مفاتيحها، فـ اغتال روحها بلا شفقة، وتركها نافيًا عن نفسهِ أي علاڤة بها، ليبقى طفلهِ – الغير شرعي – منها، منتظرًا حُكم بأبوتهِ له، كي يعيش ويحيى بعالمٍ لن يعترف به، إلا بشهادة ميلاد مذكور في خانة الأب “حمـزة صـلاح القُرشي”.
يتبع…رواية أغصان الزيتون الحلقة الثامنة
– الجزء الأول –
“في طرفة عين، يتبدل الحال لحالٍ آخر، وهو لم يعايش بدل الحال فـ حسب، لقد انقلب كل شئ رأسًا على عقب، والتنبؤ بشئ بات أمر غاية في الصعوبة.”
أنهى “نضال” المكالمة الهاتفية بعجالةٍ، ثم نظر بإتجاه “حمزة” الذي وصل لذروة غضبهِ، وأعطاه الخبر السئ :
– مش هنقدر نعمل حاجه، الخبر انتشر في صفحات كتير جدًا ده غير الحسابات الشخصية اللي شاركت الموضوع.. دي بقت قضية رأي عام ياحمزة.
ترك الهاتف وهو يقترح عليه :
– أنا رأيي تاخد إجراء قانوني ضدها، أعمل بلاغ وانت عارف إن الحق معاك.
كان “حمزة” جالسًا على مكتبه، يتحرك به المقعد يمينًا ويسارًا كما يتحرك عقله تمامًا، الأمور تعقدت بسرعة مريبة، وهو عاجزًا عن صدّ كل تلك الإشاعات عنه في ظل عدم وجود دليل براءته، ذلك التحليل الذي سينقذ موقفهِ ويحل الأزمة التي تعرض لها ، وكأنها حملة مكثفة لإنهائه، برع مُخططها في رسم كل زواياها. دخلت “رضوى” بعد أن قرعت على الباب، كان بينًا على ملامحها تغييرًا واضحًا، كأنها نظرات محتقرة أو ما شابه، أحنت رأسها مبتعدة عن النظر عنه، ثم قالت :
– بفكر حضرتك إن جلسة الإستئناف في قضية مدام عايدة بكرة.
حدجها “حمزة” بنظرةٍ مستنكرة، وعلى وجهه تعابير الغضپ جليّة :
– تقريبًا يارضوى أنا المفروض أكون في باريس دلوقتي، كنتي هتعملي إيه!.
ثم صاح بغتةً وبشكلٍ أفزعها :
– ما تتصرفي زي ما بتتصرفي على طول!!.
وزع “نضال” نظراتهِ بينهما قبل أن يتدخل منعًا للصِدام :
– خلاص ياحمزة هي متقصدش.
ثم نظر بإتجاه “رضوى” متابعًا :
– أنا هشوف الموضوع بنفسي يارضوى.
رمت “رضوى” نظراتها الحانقة على كلاهما، ثم التفتت لتخرج وهي تغمغم بهسيسٍ غير مسموع :
– مقدرش على الح1مار وجاي على البردعة، تستاهل كل اللي بيحصل يارب يطلع إبنك في الآخر ونشوف بقى هتعمل إيه!.
خروجها صادف دخول “راغب” إليه، وعلى وجهه تعابيرٍ غير مبشرة بالمرة، قرأ “حمزة” ذلك بسهولة، فسأله قبل أن يعترف هو :
– إيه ياسبع ؟.. معرفتش توصل لحاجه! مش كده ؟!.
فـ أفصح “راغب” عن فشلهِ الذريع :
– ملهاش أثر، ٣ بس في مصر أسمهم سُلاف محفوظ السُني، واحدة منهم ميــ،تة من شهر ونص، وواحدة مسافرة برا مصر في هجرة مع جوزها بقالها ٣ سنين، والتالته بنت عندها ١٦ سنة.
برزت ابتسامة ساخرة على محياه، وتجول حولهم بتوترٍ مرتبك وهو يصيح بـ :
– أنا قولت كده!!.. واحدة بالدماغ دي مستحيل تديني رقبتها بسهولة.
دفڼ أصابع يديهِ الأثنتين في رأسهِ يضغط عليها بإنفعالٍ :
– هتجنن، مين ورا البت دي!!.. أنا مسيبتش واحدة غير وأنا مقطع الورقة العرفي اللي بينا، مفيش واحدة عرفت تخدعني ولا تاخد مني اللي أنا مش عايز إديه ليها!!.. إزاي ده يحـصل معـايـا..!.
فكر “نضال” قليلًا، وبدأ بالفعل يُصدق أن الأمر حقيقيًا ولا يحمل أي تلاعب، تشكك في ذاكرة “حمزة” الذي قد يكون تناسى تلك الفتاة، من بين العشرات الذي قضى لياليهِ الخاصة معهن، فـ رمقهُ بتوجسٍ وسأله :
– أنت حاسس بإيه يا حمزة؟؟.. معقول يكون ده إبنك فعلًا؟.
– مــش إبـنــــــي، مـسـتـحـيل!.
اهتاجت أعصابهِ وهو يصرخ بذلك، ولم يهدأ أبدًا بل أن الأمر تطور أكثر :
– واللعبة القـ،ڈرة دي أنا هكشفها كلها، وساعتها وحياة أمي ما هرحم البت دي، ولا هيكون ليها شفيع عندي.
شدد “راغب” على كتفه مهونًا عليه :
– خلاص ياحمزة، كلها النهاردة والنتيجة تطلع، ونحطها في عين الكل ، ونرفع بيها قضية كمان.. هنبهدلها هي واللي يتشدد لها كمان.
نظر “حمزة” لهاتفهِ، لم ترد “ميان” على اتصالاته المتكررة، وتجاهلت رسائلهِ تمامًا، حتى إنه فشل في تحديد موعد للقاءها وتفسير نفسه أمامها، فـ قذف الهاتف بعيدًا عن متناول يده، وفتح زرّ قميصهِ ليُحرر عنقهِ قليلًا، بعد أن أحس بإختناقٍ شديد يُطوقهُ، وفتح النافذة الزجاجية العريضة لينظر عبرها، تلك المرة الأولى التي يصل فيها لحالٍ گهذا، عاجز، حائر، ومضطر على الصبر حتى تتبين النتيجة التي ستكتب مصيرهِ، إما النصر، أو الهزيمة الساحقة.
************************************
أيام عصيبة، قضاها جميعهم في الإنتظار على أحرّ من الجمر، لتظهر براءة “حمزة” ويتطهر من ذاك الأمر الذي طالهُ ولوّث دفترهِ – الأبيض – كما يظن الجميع. هذه المرة السادسة على التوالي ، التي تتصل فيها “أسما” بـ ولدها، لكي تطمئن على النتيجة النهائية لتحليل الأبوة، لكنه لم يُجيب هذه المرة، كان منشغلًا بإستلام أصل النتيجة، گطالب الثانوية العامة الذي ينتظر نتيجة سيتحدد على أساسها حياته كلها. أمسك “حمزة” بالظرف، متوترًا مرتبكًا، هل يفتحه أم لا؟.. ماذا ستكون النتيجة؟ هل لصالحهِ؟.. أم صالحها هي؟. كفّيهِ متجمدان گقطعتان من الثلج، والخۏف – لأول مرة – يعرف الطريق لـ بواطنهِ. فتح الظرف بتلهفٍ، وفتح التقرير الطبي ليشملهُ بنظراتٍ خاطفة، حتى استقرت عيناه على تلك العبارة المكتوبة بالأنجليزية، وكان معناها ( العينة مطابقة بنسبة ٩٩.٩٪ مع حمزة صلاح القُرشي).