رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز


– بتضحك على إيه ياعمي؟.
أرخى “مصطفى” كاهلهِ قليلًا، ثم أجاب بـ :
– كان عندك ٧ سنين وقتها، رجعتي من المدرسة بټعيط ي، ووشك كان مليان خرابيش بعد ما زميلتك ضربتك.. ولما سألتك عن رد فعلك سكتي، فهمت إنك معملتش حاجه.. ساعتها اتعصبت عليكي جامد، عشان أفهمك إزاي تاخدي حقك بأيدك، ومتخليش حد يفكر يوم إنك ضعيفة.. تاني يوم جالك استدعاء وليّ أمر، بعد ما طحنتي البت دي وبهدلتي وشها كله زي ما هي عملت معاكي وأكتر.
ضحكت “سُلاف” مع تذكّرها تفاصيل تلك الحاډثة، وعلى الفور تفهمت إلام يرمي “مصطفى” وما الذي يقصده بذلك. تابعت بإهتمام ما يرويه عليها، حتى وصل حديثه للمنطقة المنشودة :

– إبن الـ ××××× هو اللي عمل في إيدك كده!.. عشان كده رديتي عليه في نفس اليوم وحرقتي العربية؟.
كأن سؤاله أيقظ شعورها بالإحتراق، ورغم ذلك تجاوزته مُظهره له قوتها التي تتباهى بها :
– العين بالعين والسن بالسن، وهو اللي بيبدأ مش أنا.
وضعت “زين” على الفراش وبدأت تُلبسه حذائه الصغير :
– أنا لازم أخرج ورايا مشوار مهم جدًا، مضطرة أسيب زين هنا شوية كمان لحد ما أخلص.
– بس أنا كنت عايز أتكلم معاكي أكتر من كده!.
عادت تحمل الصغير لتودّعه قبل إنصرافها و :
– هرجع تاني متقلقش، بس لازم أروح أجيب الخبر الحلو وأرجع لك.
غطت تعابير الحماسة وجهه، واستطاع تخمين ما تقصده :
– الولية إياها؟.
برقت عينا “سُلاف” بلمعانٍ متحفز، گمن ستنقضّ على فريستها لتنهشها بلا رحمة :
– هي.. معادها جه، والحق هيرجع لأصحابه اللي تحت التراب.
*************************************
لوعة الإنتظار تفتك بعقلهِ فتكًا غير رحيمًا، ينظر بترقبٍ لهاتفهِ ثم إلى الحاسوب بدون أدنى فائدة. فتح رسائله الواردة على البريد الإلكتروني، وفتح الدردشة الخاصة بهم كي يزيد تأكيدهِ من عدم وجود رسائل منها، فـ لم يجد بالفعل. الرسالة التي أرسلها لها هذا الصباح لم تستقبلها حتى، وكأنها لم تفتح حسابها الشخصي منذ مدة.
نهض “راغب” عن مكانهِ بتشنجٍ، وطقطق أصابعهِ والتفكير بشأنها يحتل عقلهِ. تجول يمينًا ويسارًا حتى اهتدى لفتح المبرد، شملهُ بنظرةٍ فارغة كأنه لا يعرف ما الذي يريده تحديدًا، وفي النهاية أخرج زجاجة مياة دون الحاجه إليها وارتشف منها رشفة، رنّ هاتفهِ فـ صفع باب المبرد وركض نحوه، نظر لشاشتهِ بتشوقٍ فـ رأى أسم “حمزة”. تثبطت معنوياتهِ من جديد، وأشاح بوجهه منصرفًا عن الهاتف وهو يغمغم بـ :
– مش وقتك ياحمزة وحياة أبوك!.. أنا اللي فيا مكفيني دلوقتي.
وألقى ثقل جسدهِ على الأريكة وهو يتابع بـ :
– ياترى حصل معاكي إيه!.. إيه اللي خلاكي قافلة إيميلك أسبوع بحاله يا يسرا؟!.
**************************************
تقريبًا كل دقيقتين تنظر في ساعتها، تتفقد كمّ مر عليها من الوقت وهي بداخل سيارتها وعلى بُعد أمتار طويلة من تلك البناية الراقية. تأففت “سُلاف” بنفاذ صبر وهي تسأل :


– إيه ياعبيد ؟؟ الساعة بقت ١٢ ونص بعد نص الليل!.. بقالهم ساعة فوق والشرطة مجتش!.
كان واثقًا هادئًا وهو يجيبها :
– على وصول ياهانم، سيبي كل حاجه تمشي على مهلها.
فركت أصابعها بحماسٍ زائد، ثم هتفت بـ :
– طب وتهاني؟.
– الوقت اللي الشرطة هتهجم فيه على الـ ××× ده والبت اللي معاه هتبقى تهاني خلاص وصلت للقسم من بدري.
لمحت “سُلاف” سيارة نقل جم١عي تقف أمام البناية، بينما تلك المنطقة لا يدخلها تلك النوعية من السيارات في الأوضاع العادية، فـ تشككت بها ودققت بكامل تركيزها، قبل أن تهمس بـ :
– تقريبًا وصلو.

ترجل عنها رجال الشرطة ذوى الزيّ المدني – كنوع من التمويه -، وصعدوا للبناية بعد أن وقف أحدهم مع حارس العقار لتأمين المدخل، ولئلا يرتكب الحارس أي حماقة يلفت بها إنتباه ذلك الرجل – المعروف -. خشيت “سُلاف” أن تضحك مبكرًا، فـ تُصاب بخيبة الأمل بعد كل ما خططت له، لذلك بقيت محتفظة بزهوة الإنتصار تلك بداخلها، حتى رأت ذلك الوغد بين يدي رجال الشرطة، يدفعون به لسيارة النقل الجم١عي، ومن خلفه تلك الفتاة التي بدت وكأنها لا ترتدي شيئًا أسفل ذلك المعطف الذي سترت به عُريّها. دقيقتين وكانت السيارة تتحرك من أمام البناية، بعد إلقاء القبض وبشكل رسمي بحت على عضو مجلس النواب المعروف، بتهمة ممـ،ـاړسة الرذيلة عمدًا وبالإجبار، مع إحدى الفتيات اللاتي لا يتجاوزن العشرينات من العمر، وبمحلّ سكنهِ الســرّي…

يتبع…رواية أغصان الزيتون الحلقة الثالثة والعشرون
“تذكّر إنني هُنا، خلفك تمامًا، گظلٍ يأبى أن يُخالف القواعد ويترك صاحبهِ.”
____________________________________
كان جالسًا بوسط الفراش گعادته المفضلة أثناء العمل بالمنزل، يتابع الحاسوب الشخصي ويتطلع لملف القضية الكائن أمامهِ. كُل الملاحظات والثغرات دوّنها على الحاسوب لحين الرجوع إليها، وعقله يعمل بتركيز دقيق ما بين هُنا وهناك، متأرجحًا بين كثرة التفاصيل بالقضية. وضع علامة باللون الأصفر على عبارة لفتت إنتباهه في محضر التحقيق، وقف لديها هنيهه يفكر مليًا، حتى تسلطت عيناه بالفراغ گمن يبحث عن شئ بذهنهِ، حتى قطڠ عليه تركيزهِ الشديد رنين هاتفهِ، فـ أسكتهُ وتابع إنشغالهِ؛ لكن المُتصل ألحّ في اتصاله، فـ نظر مضجرًا لشاشة الهاتف، كي يقرأ أسم “تهاني” ينبثق منها بالإنجليزية. نفخ منزعجًا وهو يرفض المكالمة للمرة الثانية، ثم غمغم بـ :
– مش وقتك خالص!.
لم يلبث أن يعيد ذهنهِ لأوج التركيز حتى وردتهُ رسالة نصية، فـ انتزعهُ الفضول من مكانه ليتفحص الرسالة بوجهٍ عابس، فـ بُهت بلحظتها، وأبعد الحاسوب عنه وهو يجري إتصالًا بها، أثناء ذلك وقف على أقدامه حتى آتاه ردها، فـ سألها فورًا :
– مصېبة إيه اللي حصلت؟.
استمع لعبارتها الموجزة، والتي خلت من أي تفسير واضح وصريح، فـ تذمر وهو يسألها :
– يعني إيه خدوكي على القسم فجأة!.. هي مش فوضى، شوفتي أذن النيابة بعينك؟.
ذمّ “حمزة” على شفتيه ممتعضًا، وتحرك نحو غرفة تبديل الملابس :
– طب أنا جايلك، أهدي.. انتي رايحة على فين بالظبط دلوقتي؟.
لم يستغرق الأمر منه سوى بضع دقائق معدودة، وكان ينهي ارتداء بدلة سوداء كاملة وجديدة، أسفلها قميص أسود جديد. سحب ساعة اليد الفضية من بين كثير من مثيلاتها، ثم خرج وهو يضبطها على معصمهِ، ضبّ أغراضه الهامة في الحقيبة الجلدية، ثم دسّ الهاتف في جيب بنطاله وهو يغادر الغرفة.
مضى متعجلًا كي يلحق، وأثناء مروره من أمام غرفتها دفعهُ شئ ما داخله لأن يفتح بابها، لا يعلم سرّ ذلك الشعور؛ لكنهُ لبّى حاجة شعورهِ وفتح الباب بغتة. كان الظلام الدامس يُغرق الغرفة؛ لكنه تمكن من رؤية فراغ فراشها، تغضن جبينه بإستغراب وهو يفتح الإضاءة، ليجد الغرفة بالفعل خاوية تمامًا، فنظر لساعة اليد وهو يردف بـ :
– ما شاء الله!.. ما هي تكيّة أبوها!.. اللوكانده اللي داخله خارجه منها على كيفها.

تم نسخ الرابط