رواية أغصان الزيتون
تخلصت “سُلاف” من أصابعها بصعوبة، وهي تردف بهدوءٍ يستثير الأعصاب :
– وهو في حد قال غير كده ياطنط!.. طبعًا انتي ست الكل هنا.
قطبت “أسما” جبينها مدهوشة، منزعجة من هذا البرود المتناهي الذي ينزل عليها وكأنه مادة سريعة الإشتعال، تُوقد نيران غيظها أكثر وأكثر، فما كان منها إلا إنها تابعت بصراخٍ هادر :
– مين اللي انتي جيباها تحت دي!.. ومين قالك في حد هيعتب المطبخ أصلًا!.
تلوت شفتي “سُلاف”، قبل أن توليها ظهرها لكي تتناول كنزتها الحمراء كي تتابع ارتداء ملابسها، وهي تُجيبها قائلة :
– دي أم علي، كل اللي هتعمله هنا أكلي أنا وزين.
ثم نظرت إليها وهي تُشير – بتعمدٍ – لإستمرارية تواجد رجالها بالخارج :
– وكمان أكل للناس اللي برا.
ثم أشارت لنقطة في غاية الأهمية :
– متقلقيش كله على حسابي أنا ياطنط.
زجرتها “أسما” بنفاذ صبر، وهي تتوعدها بوعيدٍ صادق وحقيقي :
– قعدتك هنا مش هتطول، وأنا هعرف إزاي أخرجك من هنا بنفسي.
التفتت “أسما” لتنصرف، فـ سمعت ردّ “سُلاف” عليها :
– اللي تشوفيه ياطنط.
كتمت “سُلاف” ضحكة شامتة، ثم مشت نحو المرآة لتضبط ملابسها قبل أن تخرج. حينئذٍ طرقت “أم علي” الباب عليها قبل أن تدخل، فـ سمحت لها “سُلاف” وهي تقول :
– أدخلي وأقفلي الباب ياأم علي.
أغلقت “أم علي” الباب من خلفها، فـ دنت منها” سُلاف” كي تشدد عليها بخصوص بعض التعليمات :
– فتحي عينك ياأم علي، هنا في ألف أيد عايزة تتحط على رقبتي ورقبة إبني.
– لا عاش ولا كان ياست سُلاف، متقلقيش أنا مخليه بالي كويس، مصطفى بيه موصيني على كل حاجه.
فـ اتسعت عينا “سُلاف” وهي تحذرها بـ :
– ششش، متجيبيش سيرة عمي ولا إسمه هنا خالص، وكلامنا هيكون بعيد عن أي حد.. المهم انتي تكوني حريصة ومركزة.
– من عنيا.
– أنا خارجه ومعايا زين، هاخد معايا عِبيد ، لو احتاجتي حاجه كلميني.
– حاضر.
تحركت “أم علي” لكي تضع “زين” في عربة الأطفال خاصته، أحكمت غلق حزام الأمان عليه، ثم التفتت لـ “سُلاف” :
– هنزل أخلي عِبيد يطلع ياخد زين للعربية.
أومأت “سُلاف” رأسها، فـ تحركت “أم علي” على الفور. اتجهت “سُلاف” نحو طفلها، تبسمت في وجهه قبل أن تنحني عليه لتُقبّله قُبلاتٍ عديدة، ثم ابتعدت وهي تعقد رباط حذائهِ الأزرق الصغير :
– دلوقتي نخرج نشم شوية هوا نضيف، أحسن هوا المكان هنا ممكن يلوث صدرك ياروح قلب مامي.
*************************************
أغلق “نضال” الملف قبل أن يضعهُ في أحد الأرفف بالأرشيف، ثم عاد إلى مكتبه حيث كانت “رضوى” تجلس أمامه، وسألها بفضول :
– إيه اللي يخلي ست تقتل جوزها غير لو كانت واحدة بلطچية من الشارع!.
عقدت “رضوى” حاجبيها بإستنكار، متعجبة من فكرهِ العدواني ضد واحدة ضمن المقهورين اجتماعيًا، وبررت الدوافع التي قد تكون دفعتها للقيام بذلك :
– أنا مش معاك يانضال، اليومين دول تفكيرك متغير خالص ومش عاجبني، أنت كنت أول واحد بتنصف أي ست جايه ترفع قضية طلاق ولا خلع، إيه اللي جرالك؟.
– أنا لسه عند موقفي يارضوى مفيش حاجه اتغيرت، لكن مش مع فكرة القت.ل
عمومًا، ده مش حل.
تنهدت “رضوى” وهي تُحيد بأنظارها عنه :
– الست كائن رقيق بطبعهُ، عمر الست ما هتقتل راجل وخصوصا لو جوزها إلا لو كان الدافع قوي.
جلس “نضال” على مكتبه وهي يرد بـ :
– أراهنك إن حمزة هيرفض القضية دي، مجرد ما يسمع إنها واحدة قټلت جوزها هيقف في صف الراجل حتى لو كان إبن كلپ.
تقوست شفتي “رضوى” بإنزعاج شديد، ونظرت حياله بنظراتٍ آمله وهي تقول :
– عارفه.. عشان كده جيت أقولك انت الأول عشان تقنعه، مستر حمزة بيسمعلك يانضال.
طرق “نضال” بالقلم على سطح المكتب، وفكر للحظة قبل أن يرد بـ :
– طيب هشوف، بس هو ييجي المكتب الأول، أنا مش عارف أتلم عليه.
أفترت ثغرها مبتسمة بوداعةٍ وهي تشكرهُ :
– ميرسي يانضال بجد.
وأطالت النظر إليه، گمن تحفظ بدقةٍ خطوط وجهه وتعابيرهِ الرجولية الجذابة :
– أنت حد جدع أوي.
ابتسم “نضال” دون أن يرفع بصره حيالها، وگعادتهِ مازحها قائلًا :
– ماانا عارف، قومي شوفي هنطلب إيه عشان نفطر.. ورايا مشوار بعد شوية ومش عايز أنزل وأنا جعان.
تحمست گعادتها كلما طلب منها شيئًا، ونهضت لتتعجل في طلب الطعام لكلاهما، قبل أن يغادر المكتب :
– حالًا.
نظر “نضال” لهاتفهِ، يرغب بجموحٍ في الإتصال بها والإطمئنان على حالها، خاصةً وأن “حمزة” هاتفه مغلقًا منذ أمس، ولم يتوصل لأي خبر بشأن ما حدث. تآكل داخله