رواية أغصان الزيتون
خرجت “أم علي” من غرفة “سُلاف”، فـ أبعد” عِبيد” الهاتف عن أذنه وسألها بإهتمام :
– ها ياأم علي؟.. طمنيني عليها.
ذمّت على شفتيها بحزن وهي تقول :
– نايمة مش عايزة تصحى خالص.
نفخ “عِبيد” بإنزعاج وهو يردف بـ :
– وبعدين؟.. بقالها يومين مش عايزة تصحى من النوم!.. وكل ما عم مصطفى يسألني أقوله بخير وكويسة!.
وضع الهاتف على أذنه من جديد و :
– طيب هقفل وأرجعلك تاني يانضال.. سلام.
دخل “عِبيد” عليها، كانت مُدثرة بالغطاء وكأن الشتاء البارد في ذروتهِ، رنى إليها متضايقًا من وضعها الذي ترجمهُ على إنه نفسي بالأكثر. وقف جوارها، وضع يدهِ على جبهتها يتفقد حرارة جسمها، كانت طبيعية للغاية، فقط تلك الكدمة الواضحة في وجهها، فـ جلس بالقرب منها وهو ينادي :
– سُـلاف!.. بقالك يومين نايمة وده وضع ميطمنش، حتى رافضة نجيب دكتور!.
گأنما سمعت صوته، فـ فتحت جفونها الثقيلة ونظرت إليه ببصرها المشوش، ثم عادت تغلقهم من جديد و :
– تعبانة ياعِبيد، مش قادرة أتعامل مع حد، مش قادرة أقاوم!.
فرك يديهِ متوترًا من تلك الفكرة التي باغتتهُ؛ لكنه قرر عرض الأمر عليها دون ترددٍ :
– عايزة تتراجعي ؟.
لم يستغرق الأمر منها ثانية واحدة، إلا وكانت تعطيه ردّها القطڠي والنهائي :
– لأ، هكمل الطريق اللي مشيته للآخر.
فـ وضع كفهِ على كفّها ليدعمها كما يفعل دائمًا :
– أنا معاكي، عارف إنك مش خا1يفة وإنك أجرأ وأقوى من كلمة الخۏف، بس حبيت أفكرك إني في ضهرك، مش بس كوني الحارس الشخصي بتاعك، أنا أخوكي قبل ما أكون مجرد حارس.. صحيح إحنا مش أخوات بالډم ومجرد أخوات في الرضاعة؛ لكن شعوري ناحيتك عمره ما اختلف عن شعور الأخوات الحقيقي.
ابتسمت “سُلاف” بإبتسامة عابرة، ثم أغمضت عيناها وهي تهمس بـ :
– هاتلي إبني ياعِبيد، هو الوحيد اللي هيشفيني.
فـ لبى “عِبيد” أمرها على الفور، لعل طفلها يكون الدواء الذي سـ يرتق جرحها، ويُداوي وجعها.
**************************************
فتح باب شُقتهِ شاعرًا بإنهاك شديد جدًا، كأنه على حافة الإصابة بـ وعكة صحية نتيجة هلك طاقتهِ الأيام الماضية بخصوص البحث عن “سُلاف” وأيضًا متابعة ترميم مكتب “حمزة” لإستعادة رونقهِ ومكانته وهيئتهِ من جديد. دخل “راغب” لمنزلهِ مستشعرًا بأكتافهِ تكاد تسقط أرضًا، نفخ مزمجرًا وهو يغمغم بـ :
– آه ياعضمك يارضا!.. صحيح إن الشغل مع صلاح أهون كتير من إبنه!.. بس الواحد أتعود يتبتر على النعمة.
رفع بصرهِ ليستشعر أمرًا مريبًا، إضاءة الشُقة مُنارة جميعها، وثمة شعور انتابه بوجود أحد ما في شُقته!. رمشت عيناه عدة مرات، ومشى ببطءٍ حذر وهو يتفقد الأرجاء
بنظراتٍ مستكشفة، حتى سمع أسمه تتلفظ به إحداهن :
– راغب!.
دقّ قلبهِ دقاتٍ مندفعة، كأنه ينبض بعنفٍ رافضًا أسياج قفصهِ الصدري الغليظ، ازدرد ريقهِ وهو يلتفت خلفه رويدًا رويدًا، يخشى أن يستيقظ فجأة من هلاوسهِ وأحلامهِ فيرتطم بواقعٍ لن يرضيهِ؛ لكنهُ صُعق بها حقيقة متمثلة أمامهِ، فـ تسارعت أنفاسهِ المتلهفة وهو ينطق بإسمها :
– يُـ… يسرا!!.
ركضت نحوهِ وركض إليها، حتى التقيا بنقطةٍ في المنتصف، قفزت لأحضانهِ تُشبع جماح رغبتها العنيفة في احتضانهِ، بينما هو يعتصرها وكأن العالم كلهُ خلا إلا منهما. تسارعت أنفاسها، وضړبت سخونتها رقبتهِ ليرتفع تحفزهِ ، بينما صوتها الرقيق تسرب لآذانهِ، كي تُخدر حواسهِ أجمع بقولها :
– أنت مش عارف أنا جيتلك إزاي، بس خلاص مش هبعد عنك تاني.. أبدًا أبدًا يا حـبيبـي!.
يتبع…رواية أغصان الزيتون الحلقة الثلاثون
“گالليل.. حينما يطوي بظلمتهِ صفحة النهار قِسرًا؛ ويغتصب بعتمتهِ بهجة الحياة ونورها. ____________________________________
كانت گالفراشة السعيدة، التي تطير ابتهاجًا بين كُل زهرةٍ وأخرى، وتتناقل برشاقةٍ وسرور بين الأغصان المتمايلة. تمتّعت بوقتٍ طويل بين دفء أحضانهِ التي افتقدتها، لتُعوّض فقر الأيام التي خلت منه وعاشتها في قحطٍ من الحب والمشاعر، وقد آن لتلك العلاڤة التي خَبت لسنواتٍ أن تحيا من جديد، أن تتدفق گالنهر بين شرايينهم، دون خشية أي معايير أخرى، قد تهدم الجدران على حياتهم كلها.
فتحت “يُسرا” عيناها أخيرًا، بعد ساعات من الغيبوبة الإرادية التي عاشت فيها، ورفعت بصرها نحو عشيقها المُتيم “راغب”، لترى تيهة نظراتهِ العاشقة وهو يرنو إليها بشوقٍ جارف، وكأن كل ما حدث بينهما من لقاءٍ عاصف لم يُخمد لهفة أشواقهِ الحارّة لها. مدّ كفهِ يمسح على خدّها الأملس، وهمس بصوتٍ حنون وكأنه مستيقظًا للتو :
– كنتي وحشاني أوي يا يسرا.. كنت هتجنن عشان أقدر أوصلك ومش عارف!.
سارت أصابعها على صدرهِ العاري فـ نشطت بتعمدٍ غريزتهِ التي ظنّ إنه أشبعها جيدًا، ولاحت ابتسامة عاشقة على محياها وهي تردف بـ :
– إنت كمان كنت واحشني أوي أوي.
ابتعدت قليلًا، ورفعت رأسها التي كانت مسنودة على صدرهِ، ثم سحبت الغطاء قليلًا لتُغطي عُريها لتقول بعد ذلك :
– حاولت ومقدرتش ياراغب.. حاولت أعمل زي ما قولتلي، أنسى أي حاجه كانت بينا وأعيش مع جوزي وكأني أسعد واحدة في الدنيا.