رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز


– أنت فين يانضال!.
نفخ “حمزة” بقنوط وهو يردف بـ :
– طب أنجز، هنروح بعربيتك عشان لسه هستلم العربية الجديدة بكرة.
أغلق المكالمة وهو يُسبّها بسبابٍ نابية :
– بنت الـ ××××××.
تذكر للتوّ اختفائها ورجالها أمس، فـ تحرك لمغادرة غرفتهِ واستكشاف ما إن كانت قد أتت أو لا. فتح بابها بغتة گعادتهِ، فلم تكن هنا أيضًا؛ لكنهُ رأى فراش جديد للرضيع بجوار فراشها، وعلى ما يبدو إنه ليس فارغًا. دنى منه ليجد “زين” يتوسط الفراش، وقد استيقظ منذ لحظات قليلة أثر صوت فتح الباب، هذه المرة الأولى التي يراه فيها، مرّت أسابيع وأيام طويلة ولم يُكلف نفسه عناء النظر في وجه طفلهِ، حتى بعد إثبات حقيقة نسبهِ وإنه نتاج أخطائهِ الكثيرة. لم تتحرك مشاعرهِ قيد أنملة، وكأنه يضعها في مبرد ضخم. أصرف عيناه عنه ليراها واقفة على بُعد أمتار، تُكتف ساعديها أمام صدرها وتراقب بدقة ما يصدر منه، حتى إيماءات وجهه وعروقهِ راقبتها، إلى أن رآها، فـ رسمت إبتسامة سخيفة على محياها وهي تردف بـ :
– أول مرة تبص في وش إبنك!.
لم يوليها تلك الفرصة أبدًا، وسرعان ما تغيّر مجرى الحديث وهو يسألها بجدية حازمة :
– كنتي فين إمبارح؟.
فـ انتقلت عيناها نحو المهد الجديد وأجابت :
– كنت بجيب سرير لزين.
لم يصدق تلك الكذبة التي لفقتها على الفور، ولم يخفي عنها ذلك بل صرحّه مباشرة :
– المفروض أصدق!.. الولد مكنش معاكي طول اليوم إمبارح أساسًا!.. كنتوا فين؟.
– كويس إنك لاحظت.
دنت من فراش صغيرها، حملتهُ بين ذراعيها وتبسمت في وجهه وهي تُقبّل جبينه، ثم أجابت بـ :
– أم علي رفضت ترجع شغلها بعد اللي حصل من أمك.. فـ سيبتلها زين إمبارح ورجعت أخدته عشان نعمل شوبينج سوا.
ثم سألت الصغير وكأنه يعقل ويفهم :
– مش كده ياروح مامي؟.

ثم مسحت على بشرته الناعمة ونظرت حيال “حمزة” لتتابع :
– المرة الجاية يبقى بابي معانا متقلقش.
تأفف متذمرًا وهو يستعد للإنصراف، فـ استوقفته بسؤالها :
– شهادة ميلاد زين مطلعتش ليه؟.
فأجاب بغير إكتراث :
– بعدين، لما أفضى بقى.
– ياريت تفضى بسرعة عشان مضطرش أطلعها أنا.
التفت يرمقها من طرفهِ بنظرةٍ مستهجنة، واستخف من قدراتها على أمورٍ گهذه وهو يقول هازئًا :
– أعمليها لو جدعة.
وخرج.. خرج تاركًا خلفهِ قرارها الذي اتخذتهُ في لحظة واحدة دون أن تتردد فيه، وقد أزمعت أن تستخرج سند ميلاد طفلها بنفسها. نظرت لعيني “زين” الواسعة والتي تشبه عيناها كثيرًا، ثم لاطفتهُ بأصابعها حتى ابتسم لها :
– صباح الورد ياروحي.. النهاردة يوم مهم جدًا جدًا.

[[system-code:ad:autoads]]
**************************************
كان واثقًا للغاية گعادته، كأنه اعتاد الفوز فـ تمكن منه الغرور الأعمى، حتى ظن أن لا أمر يُصعب عليه، وأن مقاليد الأمور كلها لا تخرج من بين أصابعه. وزع وكيل النيابة أنظاره على كلاهما، ثم حنى بصرهِ عنهما وهو يوجه حديثهِ لـ “حمزة” :
– دفاع قوي، الحقيقة أنا نفسي لو مفيش في إيدي الدليل كنت اقتنعت بيه مليون الميا، دي حاجه مش جديدة على محامي زيك، لكن في إيدي تسجيل بصوت المتهمة وهي بتدي توجيهاتها للمُدعية إيمان أحمد الشهيرة بـ شمس، بيأكد كل اللي هي قالته حرف حرف.
تجمد وجه “حمزة”، وسرعان ما أسعفهُ عقله بضرورة الإعتراض على ذلك التسجيل وإلا بات الأمر في ذمة الله :
– أنا أعترض على دليل زي ده، ممكن جدًا يكون مفبرك لتضليل النيابة وإثبات التهمة على موكلتي، كما إن التسجيل ده غير مصرح بالإعتراف بصحته قانونًا طالما إنه بدون إذن النيابة، وطبقًا للمادة ٣٠٩ من قانون العقوبات صاحب التسجيل يُعاقب بالسجن لمدة لا تزيد عن سنة كاملة ، وأنا دلوقتي بسجل إعتراضي قدام حضرتك وبطالب بـ إتخاذ الإجراء القانوني المناسب ضد المُدعية جراء تسجيلها صوت موكلتي ده إن كان صوتها صحيح.
ذمّ وكيل النيابة على شفتيهِ، قبل أن يمطها للأمام وكأنه أسفٍ مزيف وشامت، قبيل أن يردف بـ :
– في حاجات كتير حضرتك معندكش علم بيها وأنا هوضحهالك.. التسجيل ده متسجل بأذن من النيابة.. والمُدعية مقدمة بلاغ قبل الواقعة بأيام، وطبعًا لأن الوضع حساس جدًا ومكانة المتهم لا تسمح بإلقاء التُهم عليه دون دليل ملموس، كانت موافقة النيابة على التسجيل هي الحل الوحيد لإثبات بلاغ المُدعية.
شحب وجهه تمامًا، مع سماع هذه الكارثة التي وضعت نقطة النهاية تقريبًا، أما “تهاني” فـ كانت گقطعة من الجليد المنصهر، جامدة لكن عرقها يتصبب بغزارةٍ، شاعرة إنها النهاية لا محالة، وإنها على شفا حفرة من الھلاك المنتظر، فـ تخبطت تخبطاتها الأخيرة، وهي تدافع عن نفسها بكلماتٍ غير مدروسة :

– محصلش، مفيش أي حاجه من دي حصلت، دي بت كذابة ، عايزة تبوظ سمعتي عشان أنا فضلت بنات تانين بيشتغلوا عندي عنها ، فاكرة نفسها كده هتنتقم مني.
تنفس وكيل النيابة بتذمرٍ مكتوم وهو يحشرها في الزاوية :
– لكن إمبارح إنتي قولتي إنك متعرفيهاش خالص!.. غريبة.. غيرتي إفادتك دلوقتي بالكامل وطلعت فعلًا بتشتغل عندك.
تضاعف ارتباكها ونظرت حيال “حمزة” الذي وقف بعجزٍ هكذا، أمام تلك المفاجئة التي لم يكن يتوقعها بتاتًا، فـ خرّبت دفاعهِ بالكامل. بينما أشار وكيل النيابة للمجند وهو يقول :

تم نسخ الرابط