رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز


– الواد هيرجع ڠصب عن عينه، لكن سُلاف؟؟.. سُلاف ممكن تضعف، زين ده نقطة ضعفها الوحيدة!.
ثم أشار لها متابعًا :
– هاتيلي تليفوني بسرعة، أتصلي على نضال وهاتيه.
لبّت “أم علي” رغبته، واتصلت عبر هاتفهِ بـ “نضال” ثم أعطته إياه :
– أيوة يانضال.. في جديد يابني طمني؟.
نفخ “مصطفى” بإمتعاض شديد، وهتف بـ صوتٍ جهوري منفعل :
– طب أسمعني ونفذ اللي هقولك عليه بالحرف.
**************************************

خرج “عِبيد” من الهيئة التابعة للمرور، متأففًا بإنزعاجٍ غاضب، وقد باءت أولى محاولاتهِ بالفشل، ليجدها تتصل به للمرة العشرين على التوالي، فأجابها بتوجسٍ :
– ألو!.. لسه خارج من المرور.. العربية دي مستأجرة من معرض تأجير عربيات، واللي أجرها رجعها للمعرض من شوية.
أبعد الهاتف عن آذانهِ قليلًا بعدما تأثرت بصراخها الهادر، وحاول أن يسيطر على غضبها الأهوج ذلك وهو يقول :
– حاضر، حاضر هعمل كل حاجه وأرجعه صدقيني.
—جانب آخر—
قذفت “سُلاف” هاتفها بعيدًا، وهي تضم قميص رضيعها لصدرها كي تشمّ رائحتهِ فيه، فـ تضاعف ألمها وهي تحمّل نفسها مسؤولية تقصيرها وتركهِ وحيدًا في منزل يحيا به كبار الثعابين. تجولت بتوترٍ مرتبك وهي تتوعدهُ بعقابٍ رادع جِراء فعلتهُ :
– والله لأندمك، وأعيشك أضعاف الخۏف اللي انت معيشني فيه ياإبن القُرشي، إبني يرجع لحضني الأول وأنا هدوقك ألوان العذـ،ـاب.
انفتح الباب ودخل منه “صلاح”، يرميها بنظراتٍ حملت معانٍ من التشفّي والشماتة، فـ اتقد صدرها المُسعّر أكثر وأكثر، وجفّت الدموع في عيناها وهي تراه هكذا أمامها، گمن أتى ليشاهد المباراة الحصرية من مكانٍ قريب. دنى منها، وشمل حالتها المٹيرة للشفقة بنظراتٍ خاطفة، قبل أن يردف بـ :
– بأيدك تخلصي من كل العذـ،ـاب ده.
لم تتفوه بكلمة واحدة، وظلت قډائف الكره والبغض تنطلق من نظراتها انطلاقًا، لو إنه أدرك معناها لـ خفق قلبهِ الجامد، حينها تابع “صلاح” محاولًا استدراجها :
– أنا هرجعلك إبنك، مش بس كده.. لو خايفة من حد أنا في ضهرك، ولو حد مهددك ومسلطك على إبني أنا هتصدرله، لو عايزة تسيبي البلد كلها هخلصلك كل حاجه، وفوق كل ده هديكي اللي انتي عايزاه، إن شالله يكون مال قارون نفسه.. بس تقوليلي، مين وراكي وعايزة مننا إيه؟.
بقى لها خطوة واحدة، وستفقد أعصابها نهائيًا، حتى إنها قد ترتكب جرمًا بأي لحظة، لذلك تماسكت بصعوبة شديدة، وتفوهت بكلمة واحدة :
– أطـلع بـرا.
ذمّ “صلاح” على شفتيهِ، ولم ييأس من تكرار عرضهِ مرة أخرى :
– الفرصة مش هتجيلك تاني، فكري كويس بڈم ..ا تندمي.


فـ صړخت في وجهه صرخةٍ مدوية :
– بــــــرا.
كان متأكدًا إنها لن تصمد طويلًا، وعندما تفشل محاولاتها في إيجادهِ بنفسها ستخنع لهم لا محالة، هي فقط خسرت الفرصة التي عُرضت عليها، لذلك سحب نفسه وخرج گأنه متيقنًا من إنها سترضى في النهاية. تجمدت نظرات “سُلاف” على الباب الذي أغلقهُ من خلفهِ، وأضاء عقلها بفكرة لا مثيل لها، ستضرب عن طريقها جهتين بضـ،ـربة واحدة. تشددت قبضتها على القميص الذي تمسكه، ثم أسرعت نحو هاتفها لتُجري مكالمة هاتفية عاجلة منه، لحظات وكان الرد يأتيها :
– أيوة ياعِبيد، أنا عرفت خلاص إحنا هنعمل إيه.. حاجه هتجيب حمزة لعند رجلي.
***************************************

اقترب “حمزة” من الوصول إلى مقرّ مكتبهِ، وحالته المزاجية في أفضل أحوالها منذ فترة طويلة. ارتفع صوت الأغاني لأعلى صوت، للحد الذي منعه من الإنتباه لهاتفهِ الذي رنّ لأكثر من مرّة، حتى إنه كان يدندن ويغني مع الأغنية الشهيرة للمطرب المعروف (عمرو دياب)، وقد ضجت السيارة بصوت الأغنية المرتفع. مع دخولهِ للشارع الرئيسي المؤدي للمكتب، لمح ذلك التجمهر القريب، فـ هدأ من سرعة قيادته وأخفض صوت الأغاني قليلًا، دقق بأنظاره جيدًا وقد أثار المشهد فضولهِ، خاصة حينما رأى سيارة الأطفاء تتوسط هذا التجمع المريب. صفّ سيارتهِ بعيدًا عن الزحام، وترجل منها وهو يسير بإتجاه العقار الذي فيه مكتبه الخاص، تجولت عيناه من حولهِ فلم يجد أيًا من الموجودين يعرفهم. رفع عيناه للأعلى فرأى ألسنة اللهيب التي تتصاعد من نافذة مكتبهِ، جحظت عيناه عن آخرها، وانقبض قلبهِ بشدة بعدما علم بأن مكتبه هو الذي احترق وهو الذي تسبب في هذا التجمهر، قادتهُ رغبتهُ لإقتحام العقار والصعود لأعلى، لكن رجال الأمن والإطفاء استوقفوه منعًا لمرور أي أحد، فصاح في أحدهم محاولًا الدخول بأي شكل :
– أوعى عديني، اللي بيتحرق ده مكـتبـي!.
– ممنوع ياأسـتاذ.
عاد ينظر للمكتب وعيناه تتحسرّ بقهرٍ شديد، وكأن عمرًا ضاع من عمره في هذا المشهد القاسي، والنيران التي تتصاعد أبخرتها كأنها ناشبة في بواطنهِ المحمومة. أطبق جفونهِ بقوةٍ، يكاد يفقد وعيهِ أثر انخفاض ضغطهِ المفاجئ، وعاد يفتحهما مستسلمًا لشعور التعب الذي باغتهُ.
*************************************

فور تنفيذ المهمة – الصعبة – التي كلفتهُ بها “سُلاف” ، اتصل بها كي يبلغها بنجاحهِ الساحق وتحقيق تلك الخطوة الفاصلة التي ستعيد “زين” لأحضان أمهِ سالمًا، وحينما أجابتهُ أبلغها بـ :
– خلاص خلصنا.
التفتت رأس “عِبيد” ينظر لـ “ميان” النائمة بالخلف، ثم تابع :
– والأمانة معانا…

يتبع…رواية أغصان الزيتون الحلقة الثامنة والعشرون
“وعلى كُلٍ تحمّل تبعات إختيارهِ.”
_____________________________________
أصغت إليهِ بتحفزٍ، وهي تسمع منه نجاحهِ في المهمة التي وكّلتهُ بها، فـ تبسمت بسمةٍ ملتوية، تُناقض كل ذلك السعير الذي ملأ حشاها، وهي تذكر الجزء الأهم من الحبكة التي رسمتها، كي توقع بـ “حمزة” شرّ وقيعة :
– هنوصل لشاكر إن حمزة هو اللي خطف ميان، وخليهم هما الأتنين يواجهوا بعض.
شعّ الحقد من نبرتها وهي تستكمل :
– خلي حمزة بقى يدورله على ميان، ده لو عرف يلاقيها.
صمتت هنيهه ثم أردفت بـ :
– لأ لأ، خليها معززة مكرمة عندنا، بس أنقل الخبر لـ شاكر وسيب الباقي عليه، هو ما هيصدق الفرصة جاتله عشان يولع في حمزة وأبوه.. وساعتها يبقى إبني مُقابل بنت شاكر، وهو بقى يختار هيعمل إيه.
أغلقت المكالمة وعيناها على حقيبة الصغير، فـ انقبض قلبها بتألمٍ وهي تتخيل وضعهِ الآن، تُرى هل هو جائع، أم يحتاج لتبديل حفاضتهِ، أم يبكي بحثًا عنها، أو قد يكون نائمًا بعد صژاع مع البکاء لغياب رائحة أمهِ عنه. منعت نفسها بصعوبة شديدة من أن تبكي أو تستسلم لحالة الإختناق الشديدة التي عصرت فؤادها، وهي تُعايش مشاعر الفقد التي توزعت على السنوات الماضية كلها في يومٍ واحد. سحبت شهيقًا عميقًا لصدرها حبستهُ لحظات، ثم ذفرتهُ على مهلٍ مستجمعة بذلك رباطة جأشها، ثم تابعت

تم نسخ الرابط