رواية أغصان الزيتون
تهدلت أكتافها وهي تعاود النظر بإتجاه الهاتف المُلقى أمامها :
– بحاول أفتكر شوفتها فين قبل كده، أنا هتجنن يانضال!.
نفخ “نضال” وقد نفذ صبره من محاولاتها المتكررة والبائسة، وحاول جاهدًا أن يُصرف عقلها عن البحث حول “سُلاف” :
– مش فاهم حاجه زي دي هتفيدك بأيه!.. ما تركزي في الشغل المتكوم علينا بسبب الأحداث اللي حصلت، مش عايزين حمزة يرجع المكتب يعمل شغلانه على الفاضي.
نهضت “رضوى” عن مكتبها وسارت نحوه وهي تسأل :
– مستر حمزة بقاله يومين مش بييجي رغم إنه خرج!!.. متعرفش في إيه؟.
وكأنه لم يجد مُتنفسًا غيرها، كي يصب عليها غضبهِ المكتوم، والذي فشل في ردعهِ لأكثر من ذلك :
– يـــــوه!!.. ده مبقاش مكان شغل ده!.. زهقتيني بفضولك يارضـوى ، زهـقت.
رمشت عيناها عدة مرات متتالية بفزعٍ متفاجئ، لأول مرة تراه بهذه الحالة المنفعلة، بل كان ڈم .. الثبات الإنفعالي والهدوء، لا يغضب إلا لأمرٍ شديد الخطورة، وهذا ما كان يُميزهُ. سرت رعشة في أوصالها وقد لمعت عيناها ببريقٍ متأثر، تكاد الدموع تُغرق وجنتيها الآن. لحظة واحدة كانت كفيلة لأن يشعر “نضال” بإنه تجاوز حدّه معها، وصبّ عليها ما لم تكن تستحقه، فـ لملم شتاتهِ الممتعض سريعًا، كي يتدارك الأمر في لحظتهِ، أجفل عيناه بتحرجٍ منها وقدم اعتذاراتهِ :
– أنا آسـف، حقك عليا.. بس أنا جاي من برا مش طايق نفسي.
تحكمت في ضعفها اللحظي أمامه، وبدت قوية متماسكة وهي تصيح في وجهه :
– أنت متزعقليش تاني، أنا معملتش حاجه!.. ومش هتكلم معاك تاني خالص.. أخرج بقى من مكتبي.
تجاهل طردها المباشر له، وأصرف أنظاره عنها وهو يقترب من مكتبها :
– هعتبر نفسي مسمعتش حاجه.
حاولت أن تبدو جادة أمامه، بينما داخلها قد غفر له – گعادتها – :
– نضال أنا مش بهزر.
تحدث بـ لا مبالاة گعادتهِ، وقد عاد لوضعيته الهادئة كأن شيئًا لم يكن، بل إنه تعمّد إصراف عقلها عما حدث منذ لحظات :
– أنا مفطرتش، شوفيلي ساندوتش من ساندوتشاتك.
جلست على مكتبها وسحبت الحقيبة خاصتها وهي تعرض عليه :
– تاكل جبنة رومي ولا جبنة شيدر؟.
مطّ شفتيه يفكر، لم تروق له الإختيارات كثيرًا؛ لكنه بقى مجبرًا على واحدًا منهم :
– خلينا في الشيدر بقى.
ناولته شطيرة طازجة بالجُبن، وعيناها الصافية تعاتبهُ على صنيعهِ معها :
– أتفضل.
أحس بتلك النظرات وكأنها وخزات تُزعجه، فـ أبعد عيناه عنها وقد فهم الخطأ الذي ارتكبهُ :
– خلاص يارضوى خلصنا، مش هتهنى على اللقمة ولا إيه!.
– مش هتتهنى لأ، قوم معايا ياأفندي.
كان صوت “حمزة” مفاجأة لكلاهما، هبّ “نضال” واقفًا، غير متوقعًا حضورهِ اليوم، في ظل إنه أبلغهُ بالأمس بالعكس تمامًا، فدفعهُ ذلك لسؤاله :
– إيه اللي جابك!.. قصدي قولت مش جاي!.
أشهر “حمزة” ذلك الظرف بيده، وعلى وجهه تعابيرٍ متجهمة، أفادت بوقوع أمرٍ جديد :
– الأخبار الزفت هي اللي جابتني.
واستبقهُ بالخروج، ثم الذهاب بإتجاه مكتبه، فـ ترك “نضال” طعامهِ وهو يرمقها ساخطًا :
– أكيد مكنتيش راضية وانتي بتديني الساندوتش.
أوصد “نضال” الباب عليهما، وسأله بفضول وقد ملأت علامات الإستفهام وجهه :
– إيه اللي حصل ياحمزة؟.. أخبار إيه اللي بتكلم عنها.
قذف “حمزة” بالظرف على المكتب وهو يفسر بكلمة واحدة :
– رفعت القضية والصبح وصلتني العريضة بتاعتها.
سحب “نضال” الظرف وهو يعقب على ذلك :
– حاجه كُنّا متوقعينها.. وانت قلت جاهز للرد.
جلس “حمزة” على الأريكة، رفع ساقهِ ووضعها على المنضدة المُقابلة، عقلهِ سـ يُجنّ من فرط التفكير، الأمر ليس عاديًا، لقد استحوذت على كامل عقله ومداركه وتفكيره بشكلٍ هيستيري. مسح “حمزة” بسبابتهِ على شفتهِ السُفلى، وأردف بصوتٍ هادئ بعض الشئ :
– البت دي في حد وراها، في حد ساندها!.
ترك “نضال” الأوراق جانبًا، واقترب منه ليجلس بالقرب وهو يسأله بتفحصٍ لخبايا عقلهِ دون إثارة ريبته :
– تفتكر واحدة من اللي رميتهم في الشارع هي اللي دبرت كل ده!.
نفى “حمزة” فكرة گتلك نهائيًا، ولم يُفسر نفسه بشكلٍ كامل :
– لأ ، دي مش قوة واحدة لوحدها، دي كأنها تنظيم متخطط له كويس أوي.
أنزل “حمزة” ساقه وانتصب في جلسته وهو يتسائل بتحيرٍ :
– بس ليه؟؟.. إيه اللي ممكن يدفع واحدة إنها تشهّر بنفسها وبسمعتها وتبقى على لسان مصر كلها إلا لو وراها حاجه مرڠبة!!.
وقف عن جلسته وهو يتابع :
– تيجي تحت إيدي بس وأنا هحل الباقي.. بدل شغل أضرب وأجري ده.
نهض “نضال” ووقف جواره، وبعقلانية شديدة حاول أن يُصرف عقله عن تلك الأفكار الشېطانية، التي يرتب لها :
– أنا مش معاك في الفكرة دي.. إحنا ناس نفهم في القانون وممكن ندوخها ورانا وانت عارف ده كويس، ليه نلجأ لطرق زي دي هترجعنا لنقطة الصفر، أنت مش مدرك إنها قبل كل ده خدت عليك تعهد بعدم التعرض!.
برزت بادرة إنفعال على تعابيره الحانقة، واعترف بدهائها فيما يخص تلك الخطوة الچريئة :
– هي عارفه كويس إني مش هحلّ رقبتها (يتركها) عشان كده خدت الخطوة دي.. بس مش هتفرق معايا.
زفر “نضال” بقنوط، فهو على يقين بأن كل تلك المحاولات لن تُجدي نفعًا، طالما إنه وضع الأمر برأسه؛ لكنه رغم ذلك حبذّ أن تكون هناك فرصة أخيرة :