رواية أغصان الزيتون
– الولد ملهوش علاڤة بكلامنا، لازم يبقى بعيد عن صوتك العالي.
ضحك من زاوية فمه بسخرية، وذكّرها بأن ذلك الطفل هو أساس حديثهم كله :
– ملهوش علاڤة إزاي!!.. المحروس إبنك هو الموضوع كله ولا نسيتي؟.
نظرت لـ “عِبيد”، كأنما تعطيه إشارةٍ ما، فـ انصرف “عِبيد” من أمامها، لتتسنى لها الفرصة كي تعطي له تلميحًا عن مشهد سيراه في المستقبل القريب :
– أوعى تكون فاكر إنك هتقدر تستفرد بيا ياحمزة!.. أنا اللي ورايا يسدوا عين الشمس، وعمرك ما هتقدر في يوم تكسب حرب أنا خِصمك فيها.
جلجل صوت ضحكتهِ؛ لكنها ضحكة نبعت من غيظهِ المكتوم الذي قد يُصيبهُ بذبحة صدرية :
– أوعي تكوني فاكرة شوية الرجالة اللي رايحين جايين وراكي في كل حته دول هيحموكي مني، أنتي لو دخلتي الجُحـر مش هتـطلعي منه غير مـسمومـة.
لحظات فارقة، وكان منزل “صلاح القُرشي” يحشد عدد من رجال الحراسة الخاصة، الذين اقتحموا المكان كما لو كان ثأر يُطاردوهُ. صوت حركتهم المدروسة – والمُخططة مسبقًا -، دفع “حمزة” ليهرع للخارج، ويستشكف بنفسهِ ما الذي يجري، ليرى مشهدًا وكأن الحرب قد شمرت عن ساعديها، وتنتظر إلتقاء الخِصمين في خِضم المعړكة. نظر “صلاح” و “حمزة” للمحيط الذي أصبح ساحة تضم رجالها، ثم تحولت أنظارهم إليها وهي تقف بثباتٍ على أرض صلبة. حدجها “صلاح” بإستنكارٍ محتقر شأنها، وقد تجلّت أمارات الغضپ على وجهه :
– إيه اللي بيحصل في بيتي ده!!
تقدم منها “عِبيد” بحريةٍ دون أن يعوقه شئ، فتح ذراعيهِ أمامها لتضع صغيرها أمانة عِنده، ثم انسحب “عِبيد” من الوسط تمامًا، بعدما ضمن سلامة الصغير أولًا، وأمهِ ثانيًا. شملتهم “سُلاف” بأنظارها قبل أن تبدأ حديثها :
– أنا جيت عشان أبقى عملت اللي عليا، بس طالما أنتوا مش مستعدين تعترفوا بأبني، يبقى القضية هتفضل مكملة في طريقها.
مضت بعدما رفعت حقيبتها على كتفها، مرّت أمامه، فـ اجتذب ذراعها يقول في حِدة :
– أنا مخلصتش كلامي.
كاد أحدهم يتدخل بينهما، كي يدفعهُ عنها -بالقوة-؛ لكنها أشارت له كي يتوقف محله، والتقت عيناها بعينيّ “حمزة” وهي ترنو إليهِ بفتورٍ :
– أنا خلصت.. إبنك تبقى تعترف بيه في المحكمة.
وحررت ذراعها منه كي تمضي، لولا أن صوتهِ استوقفها، ليقول ما لم يخطر بذهنها :
– بس أنا اعترفت بيه خلاص، مش أنتي قولتي ده زين حمزة صلاح القُرشي؟.
تبسمّ محياها بسمةٍ لم تُخفيها، والتفتت إليه بينما كان يتابع :
– يبقى إبني مكانه جمبي، وجمب صلاح القُرشي.
جنّ جنونها، وكادت تفقد صوابها، من هول ما تراه وتسمعهُ، من حديثٍ سيقتلع جذور عقلها :
– أنت اتــجــننــت يا حـــمــزة!..
لم يلتفت “حمزة” لوالدته، التي صړخت بصياحٍ هادر، غير قادرة على تقبُل وضعٍ سخيف گهذا، يجمع بينها وبين – زوجة عُرفية – في منزل واحد. وتابع حديثه الموجه لـ “سُلاف”، من أجل ضمان بقائها أمام عينيهِ :
– قولتي إيه ؟.. هتقعدي هنا في بيت العيلة، مـعـايـا.
اتسع فمها بإبتسامة عريضة برزت أسنانها، وأردفت بـ :
– وأنا مش عايزة أكتر من كده.. يابيبي.
أسرعت “أسما” تُغادر هذا الوسط، خطواتها أشبهت الركض وهي توفض نحو الدرج، لتبتلع السُلم كله في بضع خطوات وتختفي بين الأروقة، غير قادرة على تقبّل واقعٍ گهذا. تابع “صلاح” ما يحدث بأعصاب مُنفلتة، يتماسك بصعوبة شديدة ، شمل أولئك الحرس بنظراتٍ غامضة، ثم أمرهم بـ :
– أطلعوا كلكم بـرا، يــلا.
لم يُحرك أيًا منهم ساكنًا، في حين كانت “سُلاف” صامتة صمتٍ مريب، وكأنها جعلتهُ يختبر صدى أوامرهِ عليهم، والذي لم يُؤتي بنتاجٍ إيجابي، فـ تحولت نظرات “صلاح” الناقمة عليها، وهدر فيها قائلًا :
– ما تنطقي!.. قولي للأوباش بتوعك يغوروا من قدامي.
تنهدت “سُلاف” بقنوطٍ مستفز، وهي ترد ببرودة متناهية :
– يعني من أول يوم كده ياعمو تزعق!.. خلي بالك البيت هيكون فيه طفل ولازم يكون هادي.
قطب جبينهِ مستنكرًا، وقد حفر الغضپ معالمهِ السوداء في وجهه :
– عمك!!.
التفتت تنظر إليه وتسأله ببلاهه :
– أومال أقولك إيه!.. أونكل؟.. برضو تبقى أشيك ، أونكل صلاح!
لكزها “حمزة” في منتصف عضدها، وقد طفح به الكيل :
– خلي العيال دي تطلع برا!.. أنتي مش هتعيشي هنا أنتي وهما.
تأملت أظافرها الجميلة التي وضعت عليهم طلاء باللون الأحمر القاني، يُشبه تمامًا كِنزتها القصيرة ذات الذراع الواحد، ثم أردفت بـ :
– لأ ما هما هيكون مكانهم هنا فعلًا.
ثم نظرت إليه بطرفها لتتابع :
– دول حِصني، مكان ما بروح بيكونوا موجودين.
احتد صوتهِ متسائلًا :
– يعني إيه!
هزت كتفها وهي توضح بكلمة واحدة :
– يعني هيفضلوا هنا.
كوّر قبضتهِ، رفعها أمام وجهها گالذي يلمح لأمرٍ ما، ثم هتف بخفوتٍ :
– أنا ماسك نفسي عنك بالعافية، بلاش تفقديني شوية الصبر اللي فاضلين، والله أهدّ المعبد كله على دماغك.
ضحكت ضحكة صغيرة وهي تُشير بأن مصيرهم بات مربوطًا بعضه ببعض :
– يا بيبي ما هو لو وقع هيقع علينا كلنا وأنت معانا.
انتقل “صلاح” بخطواتهِ نحو الهاتف الخلوي، رفع السماعة وهو يهدد بـ :
– أنا هجيبلك الشرطة وهي تاخدهم بطريقتها، هما والسـ،ـلاچ اللي معاهم كمان.