رواية أغصان الزيتون
حـادث سـيؤدي بهما للـهـاويـة، ولكن القـدر كان قد اخـتار وضـع آخـر تمـامـًا….
يتبع…رواية أغصان الزيتون الحلقة التاسعة والعشرون
“أن تكون مُحاصر من كل إتجاه، والمصائب لا تأتيك فرادى، ومئات الأيادي على عنقك ينتظرون لحظة احتضارك.. فـ أبشِر بالهزيمة الساحقة.”
_____________________________________
وبين الصژاع القائم بينهما كانت السيارات من حولهم تضجّ أبواقها، والجميع يحاول تفادي القرب منهم منعًا لوقوع حادثٍ مُريع، وهي أشد إصرارًا ألا تتركهُ ينتصر ويسيطر على عجلة القيادة. جنّ جنونهِ، وهو يرى المoت يتراقص أمام عينيهِ منتظرًا لحظة الھجوم عليه ليبتلع روحه، وفي كل مرة ينجح بمعجزة في تخطّي عزرائيل، وكأن القدر ما زال يُهديهم الفرصة للتراجع. دفعتهُ عنها وهي تتشبث بعجلة القيادة، وصاحت بصوت هزّ كيانهِ :
– لما انت خايف من المoت، بتدخل رهان خسران لـيه!!.. بتمتحـنـي بإبنـــي لـــيــه ؟؟.
– إنتــي مــجـنـونـة!.. مـــجــنـونـة ولازم تتـعـالـجـي.
تصلبت حواسها وانكتم صوتها بغتة، لتفاجئهُ بعدها قائلة :
– نط من العربية.
جحظت عيناه ناظرًا إليها، فلم توليه فرصة الإعتراض لتتابع بجديةٍ حازمة :
– ياإما تنط ياإما هلبّس العربية في أي حاجه ونبقى موتنـا سـوا.
بتلك السرعة المتهورة التي تقود بها، قفزهِ من السيارة معناه إلقاء روحه للتهلكة، وإما أن تُجدد رخصتهِ في الحياة، أو تُقطع تذكرة م1وتهِ على الفور. هذا هو العقاب الذي رأته مناسبًا له، بعدما جعلها تعيش ويلات تلك المشاعر المتوحشة دون أن يرأف بكونها أمّ، كل ذلك الخۏف المرتعد الذي يعيشهُ هو ثمن كافِ مقابل ما عاشتهُ هي. لم يتردد “حمزة” في إتخاذ خطوة گتلك، بعد فشلهِ في التحكم بقيادتها، لم يكن أمامه حلّ سوى المخاطرة بذلك الخيار الصعب. لحظة واحدة وكان قد اتخذ القرار، فتح باب السيارة، بعدما نظر للخلف نظرةٍ، وفي لمح البصر كان يقفز مُلقيًا ثِقل جسدهِ خارجًا، مرتطمًا بسفح الرصيف العريض الذي تعمدت هي أن تسير بمحاذاتهِ، لئلا يموت فـ تخسر معركتها باكرًا. هي لا تريد له المoت، بل شعورهِ بالعذـ،ـاب هو الذي يُبرد نيرانها. لم تنظر خلفها قطّ، بل انتهزت أقرب فرصة وصـ،ـدمت السيارة بالرصيف لكي تتوقف فجأة، كأنه عقاب لها هي أيضًا، فـ اصطدمت رأسها بعجلة القيادة صدمةٍ قوية جعلت دماغها تدور أولًا، ثم ارتخت كُليًا وبإستسلام، فاقدة الوعي تمامًا بما يدور من حــولـها.
***************************************
كانت ترتجف گمنّ مسّها الشيطان، فرط الفزع جعلها لا تدرك حتى إنها عادت سالمة لمنزل أبيها، بعد الموقف العصيب الذي عاشتهُ اليوم. نزع الطبيب سنّ الإبرة من ذراعها ثم مسح عليه بقطنة نظيفة مغموسة بالکحول، ونهض من جوارها وهو يقول :
– متقلقش ياأستاذ شاكر، دي صد@مة عـ،صبية وأنا أديتها مُهدئ هينيمها، مجرد ما تفوق هتبقى أحسن.
رنى إليها “شاكر” بنظراتٍ قلقة، ثم تحرك من خلف الطبيب الذي خرج من الغرفة :
– أنا هعدي بكرة الصبح أطمن عليها.
– شكرًا ليك يادكتور.
مسح “شاكر” على شفتهِ السفلى وهو ينظر لساعتهِ التي تجاوزت التاسعة مساءًا، ثم غمغم بسخطٍ شديد:
– يعني هتروح مني فين ياحمزة؟.. هلاقيك يعني هلاقيك!.
استخدم هاتفهِ للتواصل مع رجال الأمن، وحينما أجاب أحدهم سألهُ :
– ها، عرفت مين اللي كان في العربية اللي سابت بنتي قدام الشارع ومشيت؟؟.
– للأسف لأ، العربية زاغت مننا قبل حتى ما نطلع وراها.
ذمّ “شاكر” شفتيهِ حانقًا و :
– ومعرفتش إبن صلاح فين برضو!.
– في المستشفى يافندم، عمل حاډثة واتنقل المستشفى.
فـ انفجر “شاكر” صائحًا بإنفعال :
– إن شالله ما يطلع منها سليم.
وأغلق المكالمة مكتفيًا بذلك القدر – حاليًا – ، قبضت أصابعهِ على الهاتف غير مهتم بتفاصيل ما أصابهُ أثر الحاډث، المهم هو كيف سيض1ربهُ ضـ،ـربة لا يعود بعدها أبدًا. أحس بشئ من الڼدم، كان عليه أخذ ثأرهِ وثأر ابنته منذ أن بدأ ذلك الأمر اللعين؛ لكنه الآن يدفع ثمن تخاذلهِ وصبره عليهم، حتى أصبح الوضع على ما هو عليه. تأفف “شاكر” مُضمرًا لهم نية سوداء گعملهم، وعاد يدخل غرفة ابنته كي يطمئن عليها من جديد، بعدما عادت إليه وردّت فيه روحهِ.
**************************************
ربت “صلاح” على ذراع ولدهِ برفق حريص، ثم شملهُ بنظراتٍ متفحصة وهو يهتف بـ :
– المهم إنك بخير وسليم قدامي، تغور أي حاجه تانية في داهيه.
أطبق “حمزة” جفونهِ متأثرًا بالصداع الشديد الذي يحسّ به، وأنحاء متفرقة من جسدهِ تؤلمه أيضًا، رغم مرور بعض الوقت على تلقيهِ المُسكن. تآوه متألمًا وهو يحرك جسدهِ قليلًا، ثم سأل والده :
– أنا مش فاكر غير إني نطيت من العربية، أنا جيت إزاي المستشفى؟.
فسّر له “صلاح” الوضع كما فسّرهُ الشاهد الذي أتى به إلى هُنا :
– واحد شافك وانت بتنط من العربية وبتقع جمب الرصيف وهو اللي أطمن عليك إنك عايش، طلبلك الإسعاف بعدها وجه معاك لحد هنا كمان.. الحمد لله الدكاترة طمنوني وقالوا إنها مجرد كدمات وخدوش.
تآوه “حمزة” مستشعرًا ألم شديد في أنحاء ساقهِ وركبتيهِ تحديدًا :
– كدمات إيه! آآآآه.. ده أنا جسمي كله كأنه أتكسر.
تخضب وجه “صلاح” بحُمرة فاقعة، وسأله بترقبٍ :
– نطيت ليه من العربية ياحمزة!… وإيه اللي حصل بينك وبين الحقيرة دي!.
تذكر أمرها، وإنه تركها بمفردها وهرب منقذًا بذلك حياته، فسأل بفضولٍ شديد :
– هي فين؟؟.
فـ انفعل عليه “صلاح” انفعالًا :