رواية أغصان الزيتون
– في وقتك مظبوط!.
ثم أجاب على المتصل :
– أيوة ياحسنين ، يلا أديني البشارة.
اتسع مبسمهِ بإبتسامة واسعة أشرقت وجهه العابس، وهتف بنبرةٍ متحفزة :
– تعالى المكتب الساعة ٤ العصر، هكون مستنيك هناك.. سلام.
ثم ترك الهاتف وهو يغمغم بـ :
– مش معقول هتفضلي تكسبي على طول، جه دوري أنا بقى.
****************************************
فتحت “أم علي” الباب حاملة الرضيع “زين”، كي يستقبل والدتهِ بعدما ظل يبحث عنها طوال الليل، فـ امتصت “سُلاف” تلك التعابير الممتعضة والمتجهمة من وجهها، وتبسمت رغمًا عنها وهي تمسح على بشرتهِ الناعمة :
– صباح الفل ياروح قلب ماما.
ثم رفعت بصرها حيال “أم علي” وقد استعادت ملامحها نفس التعابير الجادة :
– لبسيه عشان رايحين نطعمهُ.
ودخلت بعجالة لغرفتها، وقد رآها “مصطفى” وهي تعدو للداخل بتلك الطريقة المندفعة. قطب جبينهِ بفضول أكل رأسه، وسأل “أم علي” :
– شكلها مش طبيعي مش كده؟.
– كده يابيه.
لحظات وكان يسمع أنينها المكتوم، وصرخاتها التي اعتادت كتمانها في حضن وسادتها، وأصوات غريبة يعرفها جيدًا، كأنها تُمزّق أشياءًا أو ما شابه. زفر “مصطفى” وهو يشير إليها :
– روحي انتي.
كانت تمزق وتقطّع في مُلاءة قديمة مستخدمة المقص، حتى أصبحت قصقوصات صغيرة، بالكاد هذا فقط ما يُفرغ من طاقتها العدوانية التي تختزلها بأحشائها. تبكي وتُمزق، تبكي وتقطع، حتى هدأت قليلًا وأفرغت الكثير مما يعج به صدرها من مشاعرٍ مكلومة. تركت كل شئ وهمّت نحو دورة المياة، غسلت وجهها الغارق في الدموع، ثم تناولت المنشفة لـ تُجففهُ وهي تخرج من هنا، فـ رأت عمها وقد استقر بمقعدهِ المتحرك في الغرفة، ورأى كل تلك الفوضى التي تسبب فيها هياجها. علقت عيناه عليها ليلمح تلك الحُمرة التي اصطبغ بها وجهها، فسألها بصوتٍ هادئ :
– مالك يابنتي؟.. حصل حاجه؟.
فـ هزت رأسها بالسلب وهي تُحيد أنظارها عنه :
– لأ.. يمكن ده اللي وصلني لكده، إن مفيش حاجه حصلت.
وجلست على طرف الفراش وهي تسترسل في حديثها:
– حمزة كان هيتقبض عليه امبارح وأخلص منه، بس أنقذ نفسه بآخر لحظة.
شبك “مصطفى” أصابعه سويًا وهو يجاريها في الحديث :
– ومين قالك لو اتقبض عليه هنبقى خلصنا منه؟
تنهدت “سُلاف” وهي تُرخي أكتافها للخلف قليلًا، ثم أفصحت عن نواياها :
– أنا كنت عايزاه يتشغل ويبعد بأي حاجه حتى لو مؤقتًا، حمزة هو أساس قوة أبوه، لو سحبتها منه يبقى ضمنت أوقع صلاح.. وده اللي عايزاه.
نهضت عن الفراش وهي تصيح بصوتٍ منفعل :
– أنا عايزة روح صـلاح ياعمي، عايزة نهايته قبل أي حد تاني.
عارض “مصطفى” رأيها، متشددًا بخصوص بعض قواعد اللعبة التي وضعها بنفسهِ منذ البداية :
– سُلاف، صلاح هيقع بالحسرة على عياله، لما آخد قلبه من صدره يبقى خلصت على ٨٠٪ منه.. واللي بعده سهل، أنا مش عايز مجرد ثروة وبس.. قولتلك الكلام ده قبل
كده.
دفع المقعد نحوها، وضع كفهِ على ساقها يربت عليه، ثم هتف بصوتٍ هدأ قليلًا :
– عارف إن النار اللي جواكي بتحرق فيكي زيي بالظبط، بس مفيش حاجه هتحصل غير لو مشيناها كده يابنتي.
اعتصرت “سُلاف” جفونها، وهمست بـ :
– كل يوم بشوفه قدامي وعاجزة أطبق على رقبته وأخلص منه، بعمل زي ما قولتلي وباخد منه إبنه وهو ولا حاسس، وكل ما اشوفه كويس قلبي يحرقني أكتر وأكتر.
فتحت عيناها لتنسال الدموع گفيضٍ، وتابعت بـ :
– أكتر واحد ظلمني هو أكتر واحد مرتاح دلوقتي.
مسح “مصطفى” دموعها بيدهِ، ومسّد برفق على ذراعها وهو يقول :
– أهدي، خلاص هانت يا سُلاف، وخليكي فاكرة إنك مش لوحدك، أنا وإبن عمك ونضال وعِبيد ورجالتنا، كلنا وراكي ومعاكي.. حقوقنا كلها هترجع بس الصبر.. اللي خلانا سكتنا ٢٤ سنة يخلينا نستنى كام شهر كمان.
صمت هنيهه ثم ابتعد بمقعدهِ قليلًا وهو يردف بـ :
– قومي خدي زين في حضنك، أهدي وارتاحي شوية لحد ما تستعيدي قوتك.. يلا.
***************************************
كان يتناول طعام الغداء بأحد النوادي الشهيرة، حينما اقتحم جلستهِ الساكنة فـ عصفت رأسه مجرد رؤيته. تغير لون وجهه، وأبعد عيناه عنه لينظر مجددًا في طبق الطعام خاصتهِ وهو يقول :
– خير!.