رواية أغصان الزيتون
زجرتها بنظراتٍ محتقنة، وهتفت مشيرة للزجاج :
– بقالك ساعة واقفة تنضفي نفس المكان!! دي مش طريقة شغل!.. أسمعي ده أول يوم ليكي معانا وأنا مش عايزة مشاكل، أنجزي خلينا نخلص.
هزت “سُلاف” رأسها بالموافقة، وعادت تهتم بعملها :
– حاضر.
انصرفت السيدة، فـ نظرت “سُلاف” بطرفيها لتتأكد إنها غادرت، ثم عادت تراقب “حمزة” من جديد.
—جانب آخر —
كظم “حمزة” قنوطهِ، وحاول جاهدًا أن يمر اليوم بسلام، بعدما أصرت “ميان” على مرافقته لها أثناء معاينة المكان الذي وقع عليه الإختيار لإقامة حفل زفافهم. مسح جبهته التي توهجت بفعل تعامد الشمس عليها، وضبط نظارة الشمس القاتمة خاصته ليقول :
– مش كده خلصنا!!.. يلا نمشي أنا الشمس خنقت أمي!.
قطبت جبينها بإستنكار، بعدما استخدم تلك الطريقة التي لم ترق لها بتاتًا أثناء الحديث :
– إيه اللي بتقوله ده ياحمزة!! أول مرة أشوفك بتتكلم كده!.
نفخ “حمزة” بإنفعال، وبدا صوتهِ متذمرًا إلى حدٍ ما :
– عشان اتخنقت، وإنتي مصرة تدخليني في تفاصيل ماليش فيها، ما تختاري بنفسك القاعة والفستان وكل حاجه أنا معنديش أي موانع، ليه تعطليني وتاخديني معاكي زي ما أكون إبنك ولا حاجه!!.
وانسحب من جوارها بخطواتٍ متعجلة، كي يغادر ذلك المكان الذي حطّ على أنفاسهِ بشكلٍ مريب، فـ لحقت به بعدما اعتذرت لمنظم الحفل عن انصرافهم المفاجئ، واستقرت في مكانها بالأمام وهي تصرخ في وجهه :
– دي آخر مرة تزعقلي قدام حد ياحمزة، okey ؟.. أنا مش واحدة بتشتغل في مكتبك ولا متهمة بتدافع عنها عشان تتسببلي في إهانة بالشكل ده.
كان قد استعاد ثباته – إلى حدٍ ما -، بعدما تخلص من الحرارة المفرطة بالأجواء، والتي تسببت له في تغير مزاجي ملحوظ، فـ هدأ قليلًا وظهر الهدوء في نبرته وهو يسترضيها :
– سوري ياحببتي، مقصدتش.. بس بجد مش متحمل الجو ده!.
وضع يده على كفها المسنود أعلى فخذها، تناوله وقربه من فمه، ليُق1بّله برقةٍ ناشدًا مصالحتها، بعدها هتف بـ :
– متزعليش، بس بعد كده خليكي على راحتك وانا على راحتي، ماشي؟.
ارتضت نسبيًا، ولم تُطل الأمر حتى لا يتطور الإنزعاج بينهما، وفي قرارة نفسها كانت قد قررت ألا تصحبه بالفعل لأي مكان، بعدما رأت بنفسها كيف سيكون الحال، إن تواجد بمكانٍ لا يرغبه. كأنهُ يُشكلها على طباعه، حتى يتفادى أي مشكلات قد
تحدث بالمستقبل، ولكي تختبر بنفسها ماذا يعني أن تُزعجه أو تُسيّر الأمور وفقًا لهواها، حتمًا سيكون المردود سيئًا، وقد رأت جزءًا قليلًا منه منذ قليل.
*************************************
أغلقت على نفسها لتتجاوز محنتها، وهي تتنفس بصعوبة لا تعلم سببها، منذ فترة طويلة وهي تعاني هذا الأمر البليغ، والذي لم تجد له سببًا عضويًا حتى الآن. متلازمة صعوبة التنفس وانق1باضة الص1در التي تظهر بين حين والآخر – بغتة وبدون سابقة إنذار -. جلست “سُلاف” تلتقط أنفاسها بتوازن حتى تستعيد هدوئها، بدأت تعود لوضعها الطبيعي، فـ نهضت وهي تنزع عن نفسها وسائل التزييف، نزعت وصلة الشعر الشقراء (باروكة)، وتلك الملابس الكثيرة التي ضاعفت من حجم بدنها لتبدو بدينة شيئًا ما، ثم وقفت أمام المرآة لتنظف بشرتها التي تحملت الكثير والكثير من مساحيق الزينة، لـ تُخفي ملامحها الحقيقية ولو بنسبة محدودة، لقد عادت “سُلاف” التي تعرفها أخيرًا. ظلت واقفة أمام المرآة، تنظر لنفسها بدون تركيز، عقلها في مكان آخر، حتى انتشلها صوت هاتفها من أوّج تركيزها، فـ أجابت على المتصل :
– أيوة.. آه لسه راجعة من هناك، كنت بشوف المكان بنفسي، عارفه إنه خطړ بس كان لازم.. عيني لما تشوف غير لما أسمع منك، المهم.. عايزة منك حاجه مهمة جدًا.
*************************************
مرور الأيام كان ثقيلًا عليه، كلما تخيل مجرد فشل ولدهِ في القيام بتلك المهمة، والتي ستزيل عائق تهديدات “جاد” لهم، تتولّد رغبة داخله بالإنفج1ار. قذف هاتفه على سطح مكتب “حمزة”، وهتف بصياحٍ منفعل :
– المدير بتاعك قافل تليفونه ومرجعش البيت من امبارح! شايف يانـضال ؟؟..
ذمّ “نضال” على شفتيه وهو يتبادل النظرات المتحيرة مع “رضوى” -سكرتيرة مكتب “حمزة” الخاصة، ثم حاول تلطيف الموقف بقوله :
– ياباشا أكيد في حاجه معطلاه، سيادتك عارف حمزة أكتر مني.
لم تُغني كلمات “نضال” أو تُهدئ من عصبيته، بل إنها تفاقمت أكثر أكثر :
– مش مـبرر أبـدًا، الراجل مستني مني رد، أقــوله إيـه!.. الباشا اللي اعتمدت عليه مش موجود في مكتبه ولا في البيت وصايع بقاله يومين!!.
أحس “نضال” بـ اهتزازات الهاتف داخل جيبه، فـ أخرجه منتويًا رفض المكالمة، لولا إنه وجد أسم “حمزة”، گالذي وجد كنزًا ثمينًا في أشد لحظات القحط والفقر، فـ تقافزت حواسه وارتفع الأدرينالين في عروقه هاتفًا :
– حـمزة بيتـصل.
وأجاب على الفور :
– أنت فــين ياحـمزة، صـلاح باشـ…..
اختطف “صلاح” الهاتف منه، وهدر بصوته في الهاتف قائلًا :
– أنت فين ياسيد الرجـاله؟.
كل تعابير الغضپ، الإنفعال، العـ،صبية، والچنون.. كلها اختفت في لحظاتٍ، وحلّ الوجوم على كامل حواسه، وهو يجلس على المقعد المقابل للمكتب، ويسأل في رزانة :
– يعني إيه اتنازل!!.. أنت متأكد؟.