رواية أغصان الزيتون
من فرط القلق، رغم إنه يكافح بأقصى جهدهِ ليواري ذلك، وبقى عليه – إجباريًا – أن يتحلّى بالصبر، حتى يأتيه خبر عنها، وتخمد ثورتهِ المكتومة ببواطنهِ.
****************************************
ظلت جالسة بالخلف في السيارة وبجوارها طفلها، بينما “عِبيد” بالأمام جوار السائق. أطالت النظر لصورة التوكيل الذي قامت بتصويرها على هاتفها بالأمس، وذلك الأسم متعلقًا بذاكرتها تعلُقًا. (تهاني السيد منصور)، واحدة من أشهر السيدات في مجالها، تمتلك أكثر من مركز للتجميل، ولكافة الخدمات التي تُقدم للسيدات عامةً وللعروس المُقبلة على الزواج خاصةً، من تنظيف بشرة، جلسات بخار للجسم، تدليك، حمام مغربي، وكثير من هذه الأشياء على نفس الشاكلة. هذا هو قناعها الذي تظهر به أمام المجتمع، أما باطنها الأسود، فـ هي قِوّادة بدرجة شيطانة، ويعمل تحت أمرتها كثير من الماجنات الملعونات، اللاتي تُقدمهن على طبقٍ من ذهب لمن يدفع أكثر، ليلة واحدة مُقابل آلاف من الجنيهات، وإن كانت رحلة ترفيهية لعدة أيام فـ المبلغ يتضاعف لعشرة أضعافهِ.
زفرت “سُلاف” وهي تترك هاتفها جانبًا، ثم نظرت عبر النافذة وهي تسأل :
– فاضل كتير ياعِبيد؟.
– لأ ياهانم، وصلنا يعتبر.
توقف السائق أمام أحد البنايات الشاهقة بالحي الشهير الراقي، فـ أشار “عِبيد” على الجانب الآخر وهو يقول :
– المركز بتاعها هناك أهو ياهانم، وفي سبع فروع غيره، لكن ده الفرع اللي هي موجودة فيه على طول.
عضت “سُلاف” على شفتها تفكر، وسألته :
– متأكد إنها ھتكون هنا؟.
– ممكن أتأكدلك بنفسي دلوقتي.
أخرج “عِبيد” هاتفه، بدأ بإجراء مكالمة هاتفية، ليتحدث بجدية زائدة :
– ألو، كان في حجز النهاردة بأسم مدام سُلاف محفوظ السُني؟.. آه.. لأ محتاج نأجل الحجز، المدام مش فاضية النهاردة.. شكرًا، عايز أسأل مدام تهاني موجودة ولا لأ؟.. تمام، هتصل بيكي مرة تانية لتأكيد المعاد.
أنهى “عِبيد” المكالمة، ثم نظر للخلف وهو يردف :
– خرجت من نص ساعة.
ذمّت “سُلاف” على شفتيها، بينما عيناها عالقة بالمركز، فكرت سريعًا، كيف يُمكنها الإيقاع بسيدة – لعينة – گتلك، وبنفس الوقت تسديد هدف ضد “حمزة” كونهِ محاميها وأحد الرجال المستفيدين من خدماتها الرذيلة، حتى حطّ برأسها فكرة فتَّاكة، گالتي تُحرز هدفين في مرمى واحد بنفس الدقيقة، فـ انتابها الضحك بنفس اللحظة وهي تقول :
– حظها حلو النهاردة إني مشوفتهاش، خلينا نمشي دلوقتي وهنبقى نجيلها تاني.
– أوامر.
وأشار للسائق :
– يلا.
تحركت السيارة للمغادرة، وما زالت تلك الإبتسامة المغزية تلوح على وجهها.
**************************************
كانت “أم علي” تُعدّ الطعام من أجل سيدتها التي عادت من الخارج، حينما دلفت “أسما” وعلى وجهها تعابيرٍ متجهمة، حدجتها بنظرةٍ عدوانية، قبل أن تأمرها بـ :
– أطلعي برا.
ارتبكت “أم علي” وهي تنظر حولها قبل أن تسأل :
– آ.. أنا؟.
أحتد صوتها المتهكم وهي تقول :
– أمال أنا!.. هو في غيرك هنا؟.
حمحمت “أم علي” بتحرجٍ :
– آ بس أ….
قاطعتها “أسما” بحزمٍ :
– مش عايزة كلام كتير، مجرد ما أنا أدخل هنا تخرجي فورًا، أنا مش عايزة أشوفك قدامي.
أومأت” أم علي” برأسها، أغلقت الموقد على الطعام لحين عودتها، وانصرفت للخارج حينما هدرت “أسما” بصوتها :
– أكل أصحاب البيت يخلص الأول يا عطا، وبعدين تبقى تسيبلها البوتجاز لما أنت تخلص.
– تحت أمرك ياهانم.
نظرت “أسما” خلفها، ثم ناولت “عطا” قنينة صغيرة وهي تقول بخفوتٍ :
– حط في الأكل ١٠ نقط من ده.
تراقصت حدقتي “عطا”، وهو يوزع نظراتهِ بين يدها وبينها بتوترٍ ملحوظ، وقد دبّ الذعر في أوصالهِ وهو يهمس بـ :
– آه بس يعني آ….
– ششششش، من غير كلام كتير.
تجلّت على تعابيرها علامات الشر والحقد الشديدين، وهي تعيد عليه الأمر :
– مش بحب أعيد كلامي مرتين يا عطا، أسمع الكلام وحافظ على أكل عيشك.
كان في حديثها تھديد غير مباشر، فـ أُجبر على تنفيذ أمرها، دون حتى أن يسألها ما هذا وفيما يستخدم. قطّر من القنينة عشر نقاط في طعام “سُلاف”، ثم أغلق القنينة وأعادها إليها وهو يقول :
– أتفضلي ياهانم.
وضعتها “أسما” في جيبها، والتفتت لتغادر المطبخ وهي تقول :
– خلص الغدا عشان صلاح باشا في الطريق.
لم تُظهر “سُلاف” امتعاضها، وحاولت إخفاء رغبتها المتوحشة في تلقين “أسما” درس لن تنساه، ثم هتفت بـ :
– أبعدي عن الحيِّة دي ياأم علي، هي هتحاول تضايقني بيكي، أول ما تشوفيها في مكان انسحبي منه، دخلت المطبخ أخرجي، خرجت منه أدخلي تاني.. لحد ما نعدي الفترة دي ونرجع بيتنا بسلام.
هزت “أم علي” رأسها بتفهم :
– حاضر.. هنزل أحضرلك الغدا.
– ماشي، ومتنسيش زين.
– حاضر.
مسحت “سُلاف” على وجه طفلها، فـ ابتسم الصغير وهو يمسك بيدها، مُحركًا ساقيهِ في الهواء ببراءة متحمسة، دفعتها للضحك هي أيضًا بتلقائية شديدة، وهي تداعبهُ لبعض الوقت.