رواية أغصان الزيتون
– ماما أنا مقدرش أركز معاكي هنا وأنا عندي ١٠٠ حاجه شغال عليها.
أنزل “صلاح” ساق عن أخرى وهو يسألها :
– مش فاهم إيه اللي دخل في دماغك إنها مش أم الولد ده!.. أنتي شوفتي بنفسك فضيحة إبنك وورقة الجواز اللي معاها بأمضته، حصل ولا أنا بحلم!.
حررت “أسما” ساعديها من أمام صدرها وهتفت بزمجره ممتعضة :
– واحدة حيّة زي دي أتخيل منها أي حاجه، مجرد ما شوفتها بتحضر الببرونة (رضاعة) بتاعت العيل اللي معاها والشيطان لعب في راسي، كان لازم أتأكد بنفسي.
استهجن “صلاح” طريقتها العدوانية في التأكد بشأن أمر گهذا :
– تقومي تجيبي مؤنس هنا!.. وأنتي عارفه إنها سايبه كلابها برا.. لو كنتي خدتي رأيي كنت خلصتك من الحوار من غير ما نظهر ونلفت نظر علينا.
نهض “صلاح” عن جلسته و :
– أنا ميفرقش معايا هي أم الواد ولا لأ، المهم عندي الواد.. ده إبننا وأنا هاخده منها بطريقتي وفي الوقت المناسب، وهي ھتكون في حكم كانت ساعتها، بس كله بآوانه
بدأت رائحة غير مألوفة تنتشر في الغرفة، كأنه حړق أو ما شابه، قطب “حمزة” جبينه بإستغراب، وتحسس أنفه وهي يردف بـ :
– إيه الريحة دي!.
أشار “صلاح” نحو النافذة و :
– شوف في إيه ياحمزة؟.
سعلت “أسما” وعجزت عن الرد أو التحدث، حينما دوى صوت إنفجار غير طبيعي، صوت هزّ أرجاء البيت كله وهزّ قلوبهم أيضًا. فـ انتفضت “أسما” بذعرٍ وشھقت مفزوعة، حينها كان “حمزة” يهرع بإتجاه النافذة وقد تملكهُ الفزع المفاجئ، أطل برأسه ليرى النيران بألسنتها تلتهم سيارتهِ، وبقاياها بدأت في الإنتشار من حولها تكاد تصل لداخل المنزل، ومحاولات “عطا” وفرد الأمن الخاص بهم في السيطرة على الحړق عبر الماء تفشل فشلًا ذريعًا.
– يانهار أســـود..
كان ذلك صوت “صلاح” المرتعد وهو يرى عِظم الحړق الناشب في ساحة منزله وبالقرب من الحديقة الصغيرة، بينما “حمزة” واقفًا مصدومًا، عيناه مرتكزة على النار المُضرمة، وعقلهِ عاجزًا عن ترجمة ما حدث. انتفض من مكانه بهلعٍ، وأسرع راكضًا للأسفل من أجل إنقاذ منزلهم أولًا قبل أن تتسلل النيران إليه. سحب أنبوب الإطفاء الأحمر من المطبخ وخرج مسرعًا، صـ،ـرخ فيهم ليبتعدوا وتأهب لضخ محتوى الأنبوب على السيارة وما حولها ليُخمد النار المُسعّرة، مستخدمًا كافة قواه الآن.
كان “سُلاف” تتطلع إليه من الأعلى، من شرفة غرفتها، وعيناها الشامتة تحفظ ذلك المشهد العظيم في ذهنها، لئلا ينمحي من ذاكرتها. تحسست موضع حرق كفها الذي ما زال يُشعرها بالألم الحارق، ثم نظرت إليه راضية عن رد الفعل الذي أصدرتهُ، طعم الثأر هذه المرة كان مختلفًا، وكأنها انتشت بسعادةٍ منتصرة، وبردت صدرها المشتعل طوال اليوم.
***************************************
نظر “نضال” في ساعة يدهِ، نفخ بسخطٍ وهو يتجول يمينًا ويسارًا بتوترٍ ملحوظ، ثم هتف متذمرًا :
– المفروض كانت تبقى هنا من ساعتين فاتوا!.. وإحنا مش قادرين نتصل بيها ولا نفهم في إيه!.
فرك “مصطفى” يديهِ سويًا، وحاول أن يبدو هادئًا رغم ما يجول في رأسه من أفكار كلها أسوأ من بعضها :
– عبيد تليفونه مقفول من بدري!.. لو كان في تعديل في المعاد كان بلغني.
تأهب “نضال” للمغادرة، وسحب سترتهِ لأجل ذلك وهو يقول :
– أنا هروح لحمزة، هشوف الدنيا فيها إيه من بعيد كأني عايز منه حاجه.
لم يجد “مصطفى” مفرًا من ذلك، من أجل الإطمئنان على سلامتها :
– طيب، فكر هتروح بحجة إيه عشان مش عايزين نلفت الإنتباه لينا.
– متقلقش.
خرج سريعًا يقتله القلق عليها، هي بمفردها هناك حتى وإن اجتمع حولها كل رجال الأمن، ولن تسلم من مكر أولئك بأي شكل، ولن يستسلموا لها حتى الرمق الأخير، وإلى أن تأتي نهايتها تمامًا كما يريدون.
**************************************
كان يتنفس بصعوبة بالغة، متأثرًا بالدچان الكثيف من حوله، والذي شكّل هالات رمادية خانقة. نظر لكتلة الفحم تلك، والتي كانت يومًا سيارتهِ الفارهه الجميلة التي يحبها ويفضّلها عن غيرها، استجمع شتات رأسه قليلًا بعدما سيطر على النيران، لكنه مازال متأثرًا بالصد@مة التي غلفت عقلهِ، حتى صوت الرجال من حوله لم يكن يسمعه؛ لكنه بالكاد استمع لعبارة “عطا” الأخيرة :
– حتى الرجالة اللي برا واقفين يتفرجوا على الحړقة محدش مد إيده عشان يطفي ويانا (معانا).
التفتت رأسهِ نصف التفاته ليرى “عطا” نصف صفحة وجهه فقط، وهو يردف بتروٍ خبأ من خلفهِ غضبهِ :
– مين عملها، شوفت حد بعينك؟.
توتر “عطا” قليلًا وهو يجيبه :
– لأ، بس الكبير بتاعتهم مكنش موجود بقاله شوية.
نظر “حمزة” نحو رجالها يبحث عن فرد بعينهِ ، “عِـبيد” ، ذلك اللعين الذي يكرهه و يوّد لو يفتك به؛ لكنه لم يكن موجودًا بينهم، فـ عاد ينظر لسيارتهِ من جديد، وانحدرت عيناه نحو الأرض ليرى بقايا المادة المشتعلة والتي تركت أثرها، تجولت عيناه في المحيط حتى لمح شيئًا آخر، سيجارة محترقة غيرت النيران لونها لأسود فاحم؛ ملقاه على الأرض بجوار السيارة، فـ أكملت الصورة أمام عينيه على الفور. آثار مادة مشتعلة، وبقايا سيجارة متفحمة، وسيارتهِ هو تحديدًا دونًا عن غيرها، فـ بزغت هي بصورتها أمام عينيهِ مجددًا، هي البلاء والإبتلاء له، هي التي تسلطت عليه كما يُسلط الله أقوام على أقوام أخرى. ترك أنبوب الإطفاء جانبًا، وأملى أمرهِ على “عطا” قبل أن يهمّ بالدخول :