رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز

*************************************

لا تعلم كمّ مرّ عليها من الوقت وهي واقفة بمكانها هكذا، تتأمل طفلها النائم، والذي سبح في نومه دون أرقٍ أو انزعاج. لوهله أحست بمزيج من الخۏف والقلق بشأنه، خاصة وإن كان هو الوسيلة الأساسية التي تعتمد عليها في خطتها اللعينة؛ لكنها مجبرة على ذلك بكل الأحوال، حتى تأتي الخطة بثمارها. أطبقت “سُلاف” جفنيها، وشردت للحظة، لو إنها في ظروف أخرى، لو إنها تنعم بحياة طبيعية للغاية. تخرج مع زوجها وأطفالهم للتنزه أسبوعيًا، وبين كل حينٍ وآخر تغادر العاصمة وتسافر لأي بقعة من بقاع الأرض، للتغيير من كآبه الجو وملل الروتين المعتاد، تذهب للنادي وتتابع جيدًا دروس أبنائها في المجالات الرياضية المختلفة من سباحة وملاكمة.. إلى آخره. فتحت “سُلاف” عيناه لتسقط عبرة مقهورة لم تشعر بها، وهي تحس بصدرها گكتلة متوقدة من فرط الغضپ، لقد حُكم عليها أن تعيش حياة تعيسة گهذه، بينما جلّادها يعيش وينعم هانئًا هادئًا. مدت طرف سبابتها لتمسح تلك الدمعة، لتسمع بعدها صوت “مصطفى” :

– سُلاف ؟.

برعت في إخفاء تلك التعابير التي أغرقت وجهها، والتفتت إليه تسأله :

– أيوة ياعمي.

قاد المقعد المتحرك نحوها، وعيناه تدرس بدقةٍ ما تواريه :

– مالك؟؟ شكلك متغير؟.

بطرفيها كانت ترمى نظرة نحو الصغير، ثم أردفت بصوت لم يخلو من الحزن :

– مش عايزة أدخل زين في اللي هيحصل!.. هو ضحېة زيي بالظبط.

– وعشان هو ضحېة فرض عليكي تجيبي حقه لأنك أمه.

التمعت عيناها بلمعةٍ مذعورة، وأفضت عما يجول بصدرها من مخاوفٍ تُعذب روحها :

– ولو آذاني فيه؟.. لو فكر ياخده مني؟.

تضرجت بشرتهِ بـ حُمرة منفعلة، وتطايرت شرارات الغضپ المكتوم من عينيه وهو يتوعدهُ وعيدًا صارمًا :

– ورحمة إسماعيل ما هخليه يشوف نور الشمس تاني هو وأبوه وكل عيلته، أنا مصبرتش ٢٤ سنة عشان في الآخر ياخد مني انتڤام تاني.


قبض على معصمها، شدد عليه دون الرغbة بإيلامها، وذكّرها بكل ما عايشوه، حتى تحين هذه اللحظة :

– سُلاف، أنتي تقدري تعملي كل اتفقنا عليه، أنتي أقوى واحدة فينا دلوقتي يابنتي.. فاهمة؟.

تسلحت بالغضپ، أقوى أسلحتها شراسة وقوة، فـ كلما غضبت، كلما أعدّت لهم ما لا يتوقعون. ستضرب بلا هوادة، وتقتلع حصونهم المنيعة التي استغرق بنائها أعوامٍ، ستجتث آثارها في لحظة.

**************************************

– وبعدين؟.

كان ذلك سؤال “راغب” لـ “حمزة”، أثناء حمل أثقال الحديد بالنادي الرياضي. رفع “حمزة” خمسة عشر كيلو بذراع واحدة وبدأ يرفع لأعلى ثم يهبط به من جديد، وهتف بشئ من الرعونة :

– يخلص الفرح على خير وبعدها هشوف هعمل إيه معاه!!.. مش كل قضية أمسكها أتفاجئ إن عناني هو محامي الخِصم فيها! ولا حد من مكتبه!!.. دي مش صدفة أبدًا.

ترك الحديد وتابع بحدةٍ منفعلة :

– ده حاططني في دماغه!.. وأنا بقى هزعله آخر زعل، حظه إني مش فايق اليومين دول.

مسح “راغب” عرقهِ المفرط بالمنشفة، ثم عرض عليه :

– سيبهولي وركز في فرحك، أنا هشوفلك آخره إيه.

ثم غمز له بعدما لكزهُ بيمينه :

– دي الليلة الكبيرة بكرة والنهاردة هنودع العزوبية يازوم.

لاحت ابتسامة مغترة على محياه، ومشى بإتجاه (المشاية الكهربائية) يهتف بتباهٍ :


– عزوبية إيه ياراغب!!.. ده احنا عيشناها طول وعرض، مش عارف ليه الإنسان العاقل يسجن نفسه بنفسه ويتجوز!.. لولا أسما هانم وصلاح بيه مكنتش خدت خطوة زي دي وبعت حريتي بإيدي.

شغل اللعبة ليبدأ بالمشي عليها، وبدأ يُزيد من السرعة تدريجيًا، حينما كان “راغب يتابع حواره معه :

– أفهم من كده إنك خلاص تُبت إلى الله؟.

تم نسخ الرابط