رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز

عاد ينظر نحوها، فوجدها تُشعل سيجارة جديدة وهي ترمقهُ بنظرةٍ مغزية، گالتي تتحداه بفعلٍ شدد هو لأكثر من مرة أن لا تقوم به، تحممت مشاعرهِ التي تبغضها أكثر، فـ عاد إليها حتى بقى أمامها، وسحب السيچارة من بين شفتيها وأصابعها وهو يسأل بهدوءٍ مرڠب :
– أنا مش قولت مفيش تدخېن هنا تاني!.
دعس عُقب السيچارة المشتعلة على ظهر كفها، وتبين الإمتعاض الغاضب على تعابير الحانقة، وهو يزأر بهدوءٍ مخيف :
– أنا محدش يعاندني، لسه متخلقتش اللي تقف قصادي.. أنا سايبك تعيشي يومين، وأول ما تجيلي اللحظة المناسبة هضربك من مكان عمرك ما كنتي تتوقعيه.. يا سُـلاف.
منعت ظهور تلك الرجفة التي سرت ببدنها، وحتى شعور الألم الحارق كتمته في بواطنها، حتى تبدو بهذا المظهر القويّ أمامه، نجحت فعليًا أمامه؛ لكنها من الداخل تفشل في كل مرة، تفشل في تعليم نفسها ألا تتألم، ألا تشعر، ألا تضعف. راقبت خروجهِ حتى بقيت بمفردها، ثم انتقلت أنظارها نحو مكان الحرق الذي توهج بإحمرارٍ ملتهب على كفها، وصرّت على أسنانها وهي تهمس بـ :
– هتدفع تمن ده، وأقرب مما تتوقع.
**************************************
كركرت ضحكة “تهاني” وهي تتحدث في هاتفها، وتأرجحت بمقعدها الوثير وهي تقول :
– متخافش ياباشا، المرة دي الهدية هتعجبك أوي أوي، أنت عارف زوء تهاني لما بتنقي بنفسها.
ارتشفت رشفة من كوب الشاي، ثم تركته جانبًا وهي تتابع :
– أديني يومين بس ، وهتلاقيني جهزتلك ليلة من ألف ليلة وليلة.. بس متنساش تهاني بقى.
وعادت تضحك ملء شدقيها من جديد :
– طبعًا طبعًا، خيرك سابق ومغرّق ياباشا، أتفقنا.. مع ألف سلامة.
أغلقت الهاتف ثم نظرت لتلك الحسناء العشرينية بنظراتٍ جادة، قبل أن تهتف بـ :
– أديكي سمعتي، الزبون المرة دي تقيل أوي.. يعني تتمنيله الرضا عشان يرضى، سمعتي؟.
فأجابتها بدلالٍ :
– حاضر.
نهضت “تهاني” لتقف خلفها، وضعت كفيها على أكتافها العاړية ، ومسدت على نعومتهما بلمساتٍ مقززة حملت مغزى غير عفيف :
– وكل ما هو هيتبسط، أنا هبسطك.. هبسطك أوي.
أومأت الفتاة برأسها متفهمة :
– متقلقيش.
ابتعدت “تهاني” من خلفها و :
– يلا شوفي وراكي إيه وأول ما الباشا يقرر هبلغك بالمعاد.
بالفعل انصرفت الفتاة، بينما جلست “تهاني” على مقعدها من جديد، مسرورة من نتائج فجورها التي تأتي بثمارها – العطبة – ، تابعت كاميرات المراقبة التي تعرض لها مراكز التجميل خاصتها، لاحظت ذلك المشهد المُخلّ، والذي يجمع بين موظفة لديها وبين فرد الأمن، حيث تحرش بها رسميًا وهي أظهرت قبولًا له، حتى انتهى بهم الأمر بالإجتماع في مخزن المركز الصغير وممـ،ـاړسة فعلٍ فاضح. ضحكت “تهاني” وهي تتابع ما يحدث بينهما من مشاهدٍ ساخنة، كأنها في أوّج نشوتها، حريصة على تسجيل

 كل ما يحدث بينهما لحين الحاجه إليه، فـ هي من عُشاق تلك النوعية من التسجيلات الوضيعة، والتي تستخدمها ضد صاحبها في الوقت المناسب. ارتخت على المقعد وهي ترتشف الشاي خاصتها، مستمتعة بتلك اللحظات التي تشاهدها بينهما بتحمسٍ ولهفة.
**************************************
كانت الساعة قد بلغت الحادية عشر والنصف مساءًا، حينما وقفت “سُلاف” أمام سيارتهِ، تتطلع إليها للمرة الأخيرة. قامت بإلتقاط صورة واضحة لها، ثم دسّت هاتفها في جيبها وهي تراقب “عِبيد”. أنهى عمله و دنى منها ممسكًا بـ بيدون (جركن) أحمر داكن، وهتف بـ :
– العربية اتغرقت كلها زي ما أمرتي، جوا وبرا.
تناولت “سُلاف” بيدون البنزين منه، وسكبت بعضًا منه على الأرضية كي يصل بينه وبين السيارة، ثم ناولته إياه وابتعدت بعد ذلك وهي تقول :
– ولعلي ياعِبيد.

وضعت السيچارة بين شفتيها كي يُشعلها لها بقداحتهِ، ثم سحبت منها نفس طويل وهي تنظر للسيارة بنظراتٍ ملأها الحقد، وأخيرًا نظرت لحرق كفها، قبيل أن تقذف بالسيچارة نحو السيارة لـ تُضرم النيران فيها. لحظاتٍ قليلة وكانت السيارة تشتعل أمام عينيها، وألسنة اللهيب تتراقص في حدقتيها الشامتتين، بسمھة متشفية علت مبسمها، وكأنها سكبت الماء البارد على حړق صدرها، فـ خمدت نيرانهِ، وسكن جرحها، وهدأ غضبها. وضعت كفيها في جيبي بنطالها، وهمست بـ :
– مش قولتلك أقرب مما تتوقع!.

يتبع…رواية أغصان الزيتون الحلقة الثانية والعشرون
“قد تستطيع رؤية قاع الحُفرة، أما البئر فـ لا خلاص لكَ من قاعهِ.”
___________________________________
كان في غفلةٍ مما يحدث بالخارج، كل تركيزه مُنصب على إقناع والدتهِ بـ أن تكُف عن ملاحقة تلك الخبيثة التي يسعى لإجتثاء جذورها، حتى لا تنبُت لها أفرع أخرى، ولكي يكون الخلاص نهائيًا بدون رجعة فيه. تأفف “حمزة” بنفاذ صبر وهو ينظر تجاه والدهِ، واستعان به لإيقاف هذا الهراء التافه – بالنسبة إليه – :
– قول حاجه يابابا، أنا فشلت مش قادر أقنعها.
ونهض عن مكانهِ متابعًا :

تم نسخ الرابط