رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز

 ضبّ كافة الأغراض لتغادر منزلهم في الحال – وبصفة مؤقتة -، لحين إنتهاء تلك الدورة الشرسة الدائرة بينهم، من ردّ الصاع بصاعين وهكذا…

سحبت حقيبة خلفها وعلقّت حقيبة الظهر على كتفها، ثم خرجت من الغرفة وهبطت الدرج بتأنٍ، لتواجه “أسما” لدى مقدمة الدرج، وهي ترنو إليها بنظراتٍ مبتسمة حملت معنى شامت ظاهر بوضوح، ثم سألتها بنبرةٍ مٹيرة للأعصاب :
– إيه ؟.. خلاص هتمشي وتسيبينا.
مضت “سُلاف” في طريقها وكأن “أسما” ذرة من غبار مرّت دون أن تراها، سلكت الطريق نحو الباب ثم خرجت ثم مباشرة نحو البوابة. أشارت لأحد التابعين لها حتى حضر بين يديها، فـ أملت عليه أمرها :
– هات العربية قدام الباب وبلغ الجم١عة يجهزوا عشان نمشي من هنا خلال دقيقتين.
– تمام يافندم.
والتفتت لتلقي نظرة على المنزل وهي تهمس بـ :
– أضحكي شوية ياأسما، بكرة أخليكي ټعيط ي بدل الدموع دمّ.
*****************************************
ظل واقفًا بجمودٍ في مكانهِ، متصلبًا دون أن يتحرك حركة واحدة، يشاهد ما يحدث من حولهِ بحسرةٍ مقهورة، حتى بدأ الجمع المحتشد يتفرق رويدًا رويدًا، ورجال الإطفاء قد أتمّوا مهمتهم بالسيطرة على الحړق الناشب دون أن تُصاب أي أرواح. لم ينتبه لذلك الصوت الذي يتحدث بالقرب منه :
– ياأستاذ!!.. سامعني؟.
انتبه له مؤخرًا، وكأن سحابة مظلمة تُغطي عيناه فلا يرى أي شئ بوضوح؛ لكنه تعامل وكأنه في كامل قواه العقليه وثباتهِ الإنفعالي :
– نعم.
– بقولك المكتب كان فاضي والحمد لله سيطرنا على الوضع.
أومأ رأسه دون أن يُضيف شيئًا، وانخفض بصرهِ لأسفل وهو يفكر قليلًا، لحظات وأخرج هاتفهِ، وبدأ إجراء إتصال تليفوني :
– أنت فين يانضال؟.
وصل لمسامعه صوت قهقهات وشئ من الجلبة، فلم يشعر بنفسهِ إلا وهو يصيح فيه هادرًا :
– المكتب كلوا خرج عشان تاكلوا برا وسايبين مكتبي يولع!! مش كده يا نضال؟.
بدا صوت “نضال” گمن أصابتهُ صد@مة مُفزعة، واهتزت نبرتهِ المتوترة وهو يسأل :
– يولع إزاي يعني!..
لم ينتظر كل تلك التفسيرات والمُهاترات، وأغلق الهاتف وهو يرفع عيناه نحو المكتب الذي أصبح عبارة عن كُتلة متفحمة. لمعت عيناه بوميضٍ مقهور، وتلك الوخزة المكلومة في صدرهِ المُلتهب، وإذ بها تظهر بصورتها أمام عيناه فجأة، وكأنهُ بذلك وصل للمتسبب الرئيسي في نكبتهِ الكارثية، لم تطاوعهُ أقدامه على الصعود هناك مستثقلًا تلك المشاعر الشرسة التي تنخر عظامهِ وعقلهِ وكل أنحاءهِ، فـ عادت خطواته تسير نحو سيارتهِ واستقر بداخلها ليجلس بعض الدقائق القليلة، تُرى ماذا عساه أن يفعل؟. وكيف سيواجه رغبة الإنتقام اللعين التي تسوقها لكل ما تفعله؟. لا يدري، حتى إنه لا يدري ماذا عليه أن يفعل الآن؟!.
***************************************

جلست “أسما” في حديقة المنزل بعدما بقيت خاوية تمامًا من أي ضيف ثقيل عليها، واستمتعت بكوب من القهوة الفاتحة في هذه الأجواء اللطيفة، بعد أن غادرت “سُلاف” تمامًا ولم يبقى لها أو رجالها أي أثر. سحبت شهيقًا مسترخيًا لص1درها، ومددت ساقيها على المقعد المقابل وهي تردف بخفوت :
– يـــاه، الواحد كان ناسي طعم الراحة وهو في بيته!.
ضغطت على رقبتها ضغطات لينة وكأنها تُمرنها قليلًا، ثم تابعت :
– الواحد محتاج مساچ يرجعله طاقته من تاني، و….
– أســــما.
انتفضت مع سماع صوت “صلاح” المرتفع، وقبل أن تهبّ واقفة كان صوته يتابع عبارة أخرى :
– قاعدة ولا على بالك اللي بيحصل حواليكي.


نهضت عن جلستها بعدما تركت فنجان القهوة، وتسائلت بإستغراب لم يتداركهُ الوعي بعد :
– في إيه ياصلاح؟؟.. وبتزعق كده ليه؟.
فـ أخبرها بالخبر المأساوي على الفور :
– إبنك مكتبه ولع، بقى حتة فحمة!.
كتمت شهقة وقد اتسعت عيناها عن آخرها، وظنت في “سُلاف” على الفور :
– ياخبـر أسـود!!.. أكيد هي اللي عملتها بنت الأبالسة!.. ما هي مش بتتهد أبدًا.
تركها “صلاح” تندب حظها وقد نفذ صبرهِ، وهمّ ليلحق بولدهِ ويسانده بتلك اللحظات العصيبة التي يمر بها، فـ تتبعتّهُ “أسما” بخطوات سريعة كي تستطيع اللحاق به :
– خدني معاك لحمزة يا صلاح.
—على جانب آخر—
كان “حمزة” قد وصل بالقرب من منزله في توقيت قياسي للغاية، متوقعًا إنه سيجدها هناك، ومن ثم سيحرق قلبها حرقًا كما أحرقت مكتبهِ، وحينما تباطئت سرعتهِ تدريجيًا كي يستعد لصفّ السيارة، وجد سيارة أخرى تهجم على مؤخرة سيارتهِ بعمدٍ كي تصيبها، فنظر عبر المرآة وهو يطلق سبّة قڈرة :
– إبن الـ ×××× ده أنا هطلع على أهلك قـ،ـرف اليوم كله.
وترجل مندفعًا من سيارته، وقد بيّت نية عدوانية لسائق تلك السيارة، لولا إنه لمح “شاكر” يندفع نحوه بهياجٍ منفعل، فـ توقف بمحلهِ مصدومًا، وهو يسمع بآذانهِ ذلك الكلام المريب الذي لا يعلم شيئًا بشأنه :
– أنا هدفنك هنا ياحمزة، هـ أحسّر أبوك على شبابك يا حـيوان.
وهجمّ عليه گالح1يوان الضا1ري، يكاد يهلكهُ ض1ربًا، لولا أن “حمزة” تصدّى لذلك جيدًا وهو يصيح فيه بغضبٍ مستعر :
– لو مكنتش راجل كبير لـ كنت جيبتك تحت عربيتي أقسم بالله.. أنت اتجننت ولا مخك عياره فلت.
لكمهُ “شاكر” لكمةٍ أصابت نصف وجهه السفلي و :
– أنا بتقولي كده يا ×××××.
خرج “صلاح” ومن خلفه زوجته وقد تفاجأ بهذا الوضع المرڠب، فـ أوفض مسرعًا وقد تداركهُ الفزع أثر رؤية مشهد گهذا :
– شـاكـر!!.
وتدخل بينهما ليفضّ هذا الإشتباك بصعوبة شديدة، لهث “شاكر” متناولًا أنفاسه بصعوبة، وأردف ممتعضًا وقد تبينت حُمرة عيناه الغاضبة :
– بتخطف بنتي أنا ياحيوان؟.. وحياة أبوك ما هتعيش فيها!.
جحظت عينا “صلاح” بعد سماع ذلك، بينما هدر “حمزة” بصوتٍ خشن خرج من بواطنهِ الحانقة :
– مين خطف مين؟؟.. أنا ولا أعرف حاجه عن بنتك ولا شوفتها!.
دفع “صلاح” “شاكر” برفق ليبتعد قليلًا، وبلهجة دبلوماسية إلى حدٍ ما كان يُهدئه قليلًا :
– إيه بس اللي بتقوله ده ياشاكر بيه؟؟.. حمزة عمره ما يعمل كده مهما حصل.

تم نسخ الرابط