رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز


مسح “مصطفى” عيناه التي أذرفت الكثير من الدموع، ثم دقق في ملامح الرضيع التي أشبهت “سُلاف” في طفولتها، لم يُشبه والدهِ قطّ، كأن هذا هو العوض الذي استحقتهُ، بعد عذابٍ وحرمان طويل، رغم جهود “مصطفى” المكثفة لتعويض إبنة أخيه، إلا إنها كانت ناقصة دائمًا، وكأن الحنين هو مصير تعيشهُ وليس حالة شعورية مؤقتة. مسح بلسانهِ على شفتهِ الجافة، ثم حمحم قبل أن يقول :
– مكنش ليكم ذنب في الحدوتة كلها، لكن نصيبكم كده.. نصيبكم تاخدو بحق اللي راحوا هدر، وإلا ھمـ،وت  وأنا مش قادر أبص في وش الغالي ومراته!.
كان “زين” ينظر إليه وكأنه يفهمه، بصمتٍ وهدوء، حتى انفتح الباب عليهم، فـ التفت “مصطفى” برأسه ليرى “سُلاف” قد حضرت، وأسرعت بخطاها نحوهم :
– أم علي بتقولي طول اليوم بيعيط.
تناولتهُ “سُلاف” من بين ذراعيهِ وضمتهُ لصدرها، فـ تدفئت رئتيها برائحته، وتبسمّ محياها وهي تهمس بـ :
– أنا آسفة حقك عليا ياروحي.
ثم نظرت لعمها، كي ترى تلك الحالة الغريبة التي عليها وجهه، فـ تغضن جبينها وهي تسأله بإهتمام :
– مالك ياعمي، حصل حاجه؟.
لم تتاح له الفرصة للرد، حيث رنّ هاتفه برنين تقليدي، فـ أخرجه من جيبه ليرد عليه :
– ألو.. إيه اللي حصل.
برزت إبتسامة متحمسة على محياه، وانتقلت عيناه للنظر إليها، حيث كانت مترقبة لمعرفة ما حدث، فـ وضح “مصطفى” ذلك بقوله :
– ده اللي كنا مستنينه، أديهم اللي هما عايزينه زي ما اتفقنا، ونصيبك جاهز.
أغلق “مصطفى” المكالمة، فـ فطنت “سُلاف” بهوية المتصل وسبب إتصاله :
– ده سلامة ؟.
أومأ “مصطفى” برأسه :

– هو، زي مااحنا عايزين بالظبط ، راحوا ورا تسجيل الكاميرات لليوم ده.
جلجلت ضحكة “سُلاف”، وتجولت من حوله وهي تُحدث صغيرها :
– بابا بيدور علينا يازين، خلاص هانت.. بكرة يعترف بيك وبيا ڠصب عن عين أهله.
أشرق وجه “مصطفى” بعد انطفاءهِ :
– كده مش فاضل غير القضية، بعدها هنلاعب صلاح وإبنه اللعبة الكبيرة.
– أطمن، عناني خلاص مسك القضية، الصبح هعمله التوكيل ونبدأ الإجراءات.
*************************************
أفرغ بعضًا من الدهان على قطنة نظيفة، ثم مسح بها على أنفهِ، وهو في حالة بلغت أقصى مراحل الغضپ. قذف أنبوب الدهان على المنضدة، ثم سبّ سبّةٍ خافتة :
– الـ ×××××.. مش هرحمك بس أطولك بأيديا.
انفتح الباب بغتةً، ودلفت منه “أسما” ومن خلفها الخادم، ثم أمرته بـ ترك الصندوق الذي يحمله :
– سيبه هنا ياعطا.
قطب “حمزة” جبينهِ بإستفهام، فـ أجابت “أسما” على سؤاله دون أن يسأله :
– الصندوق ده بعتته ميان.
نفخ “حمزة” وهو يحك عنقهِ بإنفعال، وأبعد نظراتهِ عن والدتهِ التي تتطلع إليه بإستهجان :
– وبعدين بقى!!.. مش عارف أتكلم معاها كلمة واحدة، حظرتني من كل حته والحرس منعني من الدخول لما روحتلها.
تلوت شفتي “أسما” بدون شفقة عليه، وهي تحمله نتيجة ما حدث كاملة :


– والله دي أقل حاجه تعملها معاك.. لو أنا مكانها مكنتش بعتلك حاجتك وبس، أنا كنت رميتهم في وشك.
– ماما أرجـوكـ…..
فـ صاحت به لتعبّر عن رفضها الشديد لفعلتهِ الشنيعة في حقّ العائلة :
– أخرس خالص!.. لوثت أسمنا وفضحتنا في كل حتة، آدي أخر صياعتك، ولسه المصايب اللي هتقع على دماغنا من وراك.
وقف “راغب” أمام الباب، متحرجًا من الدخول وقد وصل حديثهم لمسامعه، فـ حمحم للفت إنتباههم و :
– آ أحم.. مساء الخير.
نظرت إليه “أسما” بطرفها، ثم عقبت :
– أهو شريكك جه، شوفوا بقى حل لمصيبتكم.
مرّت من جوارهِ وكأنها رياح أمشير العاتية، وصفقت الباب بقوةٍ ومازال صوت غمغماتها الساخطة مسموعًا لهم. ذمّ “راغب” على شفتيه بإستغراب، ثم هتف بـ :
– مش عارف أنا ذنبي إيه؟.. من ساعة اللي حصل أمك بتحملني المسؤولية وبتعاملني زي الزفت.
اكفهر وجهه وهو يُذكرّه :
– ناسي إنك كنت معايا في الصورة الزفت دي!.
تنهد “راغب” وأطرق رأسهِ بتحيرٍ، ثم أخرج هاتفهِ من جيب سترته وهو يردد :
– بمناسبة الصورة.. كل اللي البت دي قالته صح.
تغضن جبين “حمزة”، كأنه يرفض تصديق شئ گهذا، تحفزت حواسه ودنى منه بأعصابٍ على حافة الإنهيار :
– إزاي!!.. عرفت حاجه من سلامة؟.
فتح “راغب” التسجيل على هاتفه، وناوله الهاتف وهو يقول :
– يوم ١٤ إحنا كنا هناك فعلًا، كانت قاعدة معانا البت نوسه ساعتها وهي اللي عرفتنا عليها.. قعدنا وخدنا سهرتنا ومشينا وهي معانا.. اللي بعد كده أكيد أنت فهمته.

شاهد “حمزة” المقطع بتركيزٍ وتدقيق، حتى إنه أعاد مشاهدتهِ مرتين متتاليتين، وعند دقيقة معينة توقف وأعادهُ للمرة الثالثة، فسأله “راغب” مستفهمًا :
– في حاجه لفتت انتباهك!.
مسح “حمزة” على شفتهِ السُفلى بلسانهِ، صمت هنيهه، ثم أردف بـ :
– أنت مش ملاحظ إننا كنا سكرانين أوڤر؟.
أومأ “راغب” رأسه مؤيدًا :
– ملاحظ، وده للسبب اللي مخلينا مش فاكرين أي حاجه من اليوم ده.
أبعد “حمزة” الهاتف عن مرمى بصرهِ و :

تم نسخ الرابط