رواية أغصان الزيتون
بقى “حمزة” مقيدًا بأصفادٍ صارمة، لن يقدر على مواجهتهم بمفرده، فهو مؤمنًا أن الكثرة – والقوة – تغلب الشجاعة. فتح لها باب السيارة عبر زر جانبي جواره، فـ قام أحدهم بفتح بابها وهتف بـ :
– اتفضلي ياهانم.
نظرت “سُلاف” إليه، ثم نزعت رضاعة “زين” من فمه قائلة :
– أنت اللي هتعمل التحليل لوحدك.
وضعت الرضاعة بجواره متابعة :
– ودي عينة إبنك.
ابتسمت من جديد، ابتسامة أكثر إشراقة وتحدي :
– أنا هعرف أمتى أوصلك تاني، عشان حق إبني وحقي.. عمره ما هيروح في الأرض.
كل ذلك وهو في موجة من الصد@مة، كل ما عايشه الليلة من تدبيرٍ محنك ومدبر كان يستحق التصفيق بحق ، وبقى هو الغبي الوحيد الليلة. هبطت “سُلاف” عن السيارة بكل هيبة، وسارت متقدمة رجالها نحو السيارة، فتح لها أحدهم الباب حتى استقرت، ثم مضت السيارة في طريقها، لم يتحرك ذلك الحارس الذي بقى على رأس “حمزة”، حتى ابتعدت سيارة “سُلاف” للحد الذي لا يمكنه تعقبها، ثم انسحب من أمامه وهو يردف :
– زي ما الهانم قالت، هي هتوصلك في الوقت والمكان المناسب.
ومضى كي يستقل السيارة الواقفة في الخلف، ليبقى “حمزة” في قمة ذهوله وهو يردف بـ :
– آه يا ولاد الكـلـب…!!.
يتبع…
رواية أغصان الزيتون الحلقة السابعة
المحيط من حولها عبارة عن فوضى، تسبب جنونها في تكـ،ـسير أغلب قطڠ الديكور الزجاجية، فـ الحال الذي وقع فيه جميعهم لا يُحسدون عليه، خاصة وأن “شاكر” رفض رفضًا قاطعًا محاولتهم للمناقشة معه. أوقعت بلورة قيمة للغاية، كانت قد ابتاعتها من أسبانيا في آخر زيارة لها، فـ التفت إليها “صلاح” وقد بلغ غضبهِ ذروتهِ :
– بـس ياأسـما، كـفاية مش قـادر أفكر بسببك.
اهتاجت هياجًا شديدًا، وهز صوتها كل الأرجاء وهي تصرخ صراخًا مدويًا :
– إبنك متـجوز ومـخـلف من ورايـا!.. أنت مش مستوعب المصېبة ياصلاح!.
زجرها بنظراتٍ مستنكرة، لمحدودية تفكيرها الذي لم يصل لأبعادٍ أكبر من ذلك :
– هو ده اللي بتفكري فيه!.. إنه عمل ده من وراكي!.. فكري في شاكر وبنته وفضيحتنا!!.. شاكر هيقلب الدنيا علينا عشان بنته الوحيدة.
اتقدت رأسه من شدة العـ،صبية وهو يتابع :
– الـ ×××× بنت الـ ×××.. جاية تعمل الشو بتاعها ليلة فرح إبني!.. لو أطولها بس هوديها ورا الشمس.
ما زالت “أسما” لدى نفس النقطة، وهي قيام ابنها بأمرٍ گهذا دون علمها، وتطور الأمر حتى وصل إلى وجود طفل أيضًا :
– أمتى حصل وإزاي ؟.. والبت دي كانت فين طول الشهور دي؟.
– يـــــــــوه.!
قذف “صلاح” سترته على الفراش، والتفت متوجهًا صوب الباب، خرج منه وهو يسبّ ويلعن بألفاظٍ خرجت عن نطاق المسموح به، بعدما فقد التحكم في أعصابهِ التالفة. حينئذٍ كانت “أسما” تعيد محاولتها للإتصال بـ “حمزة”، علها تتوصل لأي معلومة حول مستجدات الأمر، لكنه ما زال مغلقًا ولا تستطيع الوصول إليه، فـ ألقت به على الطاولة، وفركت أصابعها بتوترٍ وهي تغمغم ساخطة على وضعهم :
– ياترى انت فين ياحمزة؟!.
**************************************
كان ينتظر رفيقه خارج المعمل المتخصص لجميع أنواع التحاليل، بعد أن وردهُ إتصال منه يُفيد بإيجاز ما تعرض له من موقف خطير لم يتعرض لمثيلهُ من قبل. نظر “راغب” في ساعة يده قبل أن ينفخ بإنزعاج، ثم نظر مرة أخرى لبوابة المعمل بقنوط، ليرى “حمزة” يخرج منها، فـ ترجل عن سيارته بعجالةٍ وأشار له مناديًا:
– حــمزة.
انتبه “حمزة” لمكانه، فـ تقدم منه حتى وصل إليه، فـ سأله “راغب” مشدوهًا :
– إيه اللي قولتهولي ده!!.. البت فعلًا مسنودة ووراها ناس؟.
كان “حمزة” گالقدر الذي يغلي على موقدٍ هادئ، بداخله حُمم بركانية تتلظّى من فرط غليانها، رغم الهدوء المزيف الذي يحاول أن يظهرهُ. دسّ إيصال إستلام النقدية في جيبه، ثم قال :
– الحكاية دي وراها لعبة كبيرة أوي ياراغب، بس أنا لسه مجمعتش التفاصيل كلها.. أنا بيتلعب عليا دور محبوك أوي أوي.
مطّ “راغب” شفتيه بقلة حيلة :
– طب وبعدين ياحمزة!.. هتعمل إيه بعد ما البت دي اختفت؟.
– هجيبها ولو في بـطن أمـها.
صدح صوته حتى وصل لكثير ممن حوله، فـ نظر “راغب” بشمولٍ و :
– أهدا ياحمزة الناس بتتفرج علينا.
صرّ على أسنانه بغيظٍ كتمه طويلًا، وهتف بـ :
– أنا عملت التحاليل وأخدوا مني عينة يطابقوها، قالي الإستلام بعد أسبوع بس أنا رشيت عليهم (رشوة) كلهم لحد ما بقوا ٣ أيام.. آخد التحاليل بس وهيكون في كلام تاني.
دنى “حمزة” منه خطوة، ثم همس من بين أسنانهِ الملتصقة :
– أتصرف وهاتلي البت دي من تحت الأرض ياراغب، أنا مش هستنى رحمتها عليا لما تتكرم وتظهر تاني قدامي.
أومأ “راغب” رأسه متفهمًا :