رواية أغصان الزيتون

موقع أيام نيوز

جلس “حمزة” قبالته دون استئذان، ثم أشار للنادل وهو يقول :
– أول لما عرفت إنك مش في البيت وده وقت الغدا خمنت ألاقيك هنا، وظني مخيبش.
حضر النادل أمامه، فـ أملاه “حمزة” طلبهِ :
– عايز إستيك مشوي مع شوربة كريمة بالمشروم.
ثم نظر صوب “شاكر” وابتسم ابتسامة مستفزة وهو يُذكره :
– ده الطبق المفضل لميان هنا.
اتقدت عينا “شاكر” مستشعرًا وجود تلميح غير ظريف، حينما كان “حمزة” يُصرف النادل :
– شكرًا.
التفت النادل وانصرف بهدوء، فـ اندفع “شاكر” بإلقاء الملعقة من بين أصابعهِ وسأل بصرامةٍ :
– إيه الضروري أوي اللي يخليك تدور عليا وتيجي لحد هنا؟.
استند “حمزة” بمرفقيهِ على الطاولة، ودنى منه قليلًا وهو يردف بصوت منخفض :
– لو كنت أعرف إن دي سكتك، كنت ساعدتك، على الأقل ميبقاش وراك دليل زي المبتدئين.
تغضن جبين “شاكر” بدون أن يفهم تحديدًا ما مقصدهِ؛ لكنهُ فَطِن بأن الأمر غير طبيعي. تغيرت تعابير وجهه، وانتقل لطور الغضپ الأعمى الذي كاد يحرق به “حمزة” حرقًا، أو أن يحكم عليه في لحظتها وحينئذٍ سيكون المصير مأساوي للغاية :
– إنت بتخرف بتقول إيه!.. ما تكلم دُغري بڈم ..ا أخليهم يرموك برا ياإبن صلاح، وحياة آ….
– بس بس من غير حلفان.
استرخى “حمزة” على المقعد وهو يعلم جيدًا أن يداه قوية متينة هذه المرة، وابتسم بأريحية شديدة وهو يقول :
– متتعصبش على الفاضي، تهاني هتفضح الكل بدون إستثناء، أنا جاي النهاردة عشان أساعدك وأكون في صفك.
رغم ارتباكه الملحوظ، إلا إنه تستّر على شعور القلق بداخلهِ، وأدّعى جهلهِ بما يقول :
– أنا مش فاهم حاجه، تهاني مين وفضيحة إيه؟.
أخرج “حمزة” تلك (الفلاشة) من جيب سُترتهِ، وتركها أمامه على الطاولة وهو يقول :
– تهاني مسجلالك صوت وصورة، وبتبلغك إنها لو مخرجتش من السجن هتفضحك.

اتسعت عينا “شاكر” بصد@مة شديدة، غير متوقع حدوث أمرٍ گهذا قد يُزعزع مكانتهِ السياسية ويُنهي مسيرتهِ وسلطتهِ في آنٍ، وقبل أن يُبرئ نفسه من أمور گتلك كان “حمزة” يقطع عليه ذلك الطريق :
– أنا هنا مش بصفتي خطيب بنتك القديم، أنا هنا محامي تهاني وببلغك رسالة معينة.
نهض “حمزة” عن مكانه وهو يتابع :
– وعلى فكرة، لو فكرت تخلص منها خالص أنا هعذرك، بڈم ..ا أسمك ييجي في حته كده ولا كده.. وفّر على روحك.
صرّ على أسنانهِ وهو يردف ممتعضًا :
– إنت بتحرضني على القت.ل العمد؟.
هز “حمزة” رأسه نافيًا ذلك مع وضع تصحيح له :
– خالص، أنا بنصحك گصديق.
ثم ابتسم ابتسامة متشفية شامتة وهو يذكّره :


– يعني مكنش ليه لزوم كل اللي انت عملته عشان عرفت إني أتجوزت عرفي!.. على الأقل أنا أتجوزت، إنما أنت.. قضيتها في الحړام ياحمايا العزيز!.
ربت “حمزة” على كتفه وهو يتابع :
– متقلقش ، سرك في بير.. بس خلي بالك.
تبسم مثيرًا استفزازهِ، وترك له تهديدًا غير صريح :
– البير ممكن يكون مخروم ويسرب.
انتصب في وقفته و :
– خلي الأوردر اللي طلبته عشان ميان بقى، أنا عارف إنها في الطريق.. بألف هنا.
حتى خطواتهِ المتأدة أثناء الإنصراف كانت تحمل مغزى مُهين، حقًا نجح في تغذية ذلك الحقد الشديد الذي كان يكمن بداخلهِ، كأنه أيقظ الأسد النائم فيه، وحرضهُ ليس فقط على قت.ل “تهاني”، بل وعلى الطرف المُحرض الذي يعلم بشأن سرّهِ الكارثي. تخبطت نظرات “شاكر” ما بين النظر إليه وبين النظر للفراغ، گالذي يفكر ما الذي عليه فعله، بعدما تورط بالفعل مع إمرأة لعينة گتلك؟!.
***************************************

انصرف فريق عمل المكتب بالكامل، بعد أمرّ شديد اللهجة منه بذلك، وانفرد بالمكتب وحده، منتظرًا حضور “حسنين”. نظر لساعة الحائط ثم عادت عيناه تتعلق بملف “تهاني” القابع أمامه. نفخ بإنزعاج وهو يغلقهُ وتمتم بـ :
– مكنش ناقصني غير العك ده!.
ونهض عن جلستهِ كي يسحب سُترتهِ المعلقة على المشجب، ارتداها وهمّ بالتحرك للخارج، فتح الباب ليجد “حسنين” أمامهِ، فـ تلوت شفتيهِ بقنوط وهو يقول :
– كنت لسه هنزل!.. إيه اللي أخرك كده ياحسنين؟.
– الزحمة ياباشا.
دخل وهو يعطيه الخبر دون انتظار :
– اللي بتدور عليها بخّ ياباشا.
التفت “حمزة” وهو يرنو إليه بإستغراب ، فـ فسر له “حسنين” مقصده :
– يعني ملهاش وجود.
برقت عينا “حمزة” بتحفزٍ، وكأنه كان يستشعر أمرٍ گهذا :
– يعني إيه؟.. الأسم والبطاقة وكل ده مزور؟.

أومأ “حسنين” رأسه بالتأكيد و :
– بالظبط.. يعني من الآخر عايزين الأسم الأصلي عشان نوجدلك أصلها وفصلها.
كركر “حمزة” بضحكة مغتاظة حاول أن يُنفث بها عن نفسهِ، وفرك فروة رأسه بـ كِلتا يديهِ وقد أتى بعقلهِ شئ وحيد للتخلص من كل ما يحدث، واجتثاء جذور حيرتهِ وتخبطهِ المُهلك :
– بقولك إيه ياحسنين.. ليك في سكة الخطف؟.

يتبع…رواية أغصان الزيتون الحلقة السابعة والعشرون
“وإن أحرقتني؛ ستصيرُ أنت رمادًا.”
____________________________________
سيكون يوم حافل للغاية، يوم مثالي، وسيتحقق له أكبر إنتصار له. بعد كل ما عايشهُ بسببها باتت هزيمتها أمرّ محتوم عليه، وإن كلّفهُ ذلك المُخاطرة. لم يفوتهُ الإستيقاظ منذُ البكور، ليضمن تحقيق كل شئ كما خطط له تمامًا، بدون السماح لأي خطأ مهما كان صغيرًا. خرج من غرفتهِ بعد ارتداء ملابسه، وببطءٍ متعمد كان يمرّ من أمام غرفتها، كان الباب مفتوح فـ استطاع رؤيتها وهي تحمله بين يديها وتتحرك به يمينًا ويسارًا

تم نسخ الرابط